مجلة ظلال الفكرة

مجلة ظلال الفكرة

قصيرة هي الحياة... طويلة هي الذكرى

 


النص سردٌ أدبي وجداني يحمل رسالة أن الحياة قصيرة لا تحتمل التأجيل، ويُظهر عبرة أن لحظات الجنون الصادق قد تكون أعمق من سنوات العقل، إذ يروي الكاتبقصة حبٍّ تنتهي بفقدٍ موجع، ويُجسّد كيف يتحول المطر إلى طقسٍ للذكرى، والرقص إلى فعل مقاومة في وجه الغياب.

دخل ديسمبر، شهرها المفضل، كمن يطرق باب القلب دون استئذان. كانت السحب تتسلل في صمت، ثم فجأة، انهمر المطر كأن السماء قررت أن تبكي دفعة واحدة. وفي تمام الثانية فجراً، أيقظتني همساتها... همساتٌ كأنها نداء من عالم آخر.

قالت وهي تقرّب وجهها من أذني، بصوتٍ يشبه نغمة المطر حين يلامس الزجاج:


— "... إنها تمطر. حان الوقت لنفعلها."


فتحت عيني بصعوبة، نصف يقظة ونصف حلم، ثم تمتمت:


— "ليس الآن، عزيزتي... لدي عمل في الصباح. دعيني أنام."


استدرت إلى الجهة الأخرى، محاولاً الهروب من فتنتها ومن جنون اللحظة، وقلت بنبرة متعبة:


— "أي عاقل يرقص تحت المطر في هذا الوقت؟"


لكنها لم تجبني بالكلمات، بل شبكت يدها بيدي، وعدّلت جلستها، ثم رمقتني بتلك النظرة... تلك النظرة التي لا تُقاوَم، التي تجعل قلبي يتوقف عن النبض لوهلة، لا من الخوف، بل من الإعجاب.


قالت، وكأنها تلقي بياناً ثائراً على رتابة الحياة:


— "الحياة أقصر من أن نعيشها كعقلاء طوال الوقت... الجنون أحياناً هو ما يجعلنا نُدرك أننا أحياء."


كنت أعلم، بل كنت على يقين، أن محاولاتي لثنيها عن جنونها لن تُجدي. إنها هي... كما عهدتها دائمًا عنيدة كريحٍ لا تُروّض، مرحة كطفلةٍ تلهو في حضن الربيع، تواجه الحياة بوجه الطفولة، رغم أن عمرها بلغ الثامن والعشرين.


— "هيا! ... المطر ينتظرنا."


تمتمت وأنا أقاوم النهوض، أودّع دفء سريري كما يودّع المنفي وطنه:


— "ألا يكفيك جنونك؟ الجو بارد، والليل ثقيل... دعيني أنام."


لكنها لم تُصغِ، بل سحبتني بخفة، كأنها تسحبني من عالمي إلى عالمها، حيث لا مكان للعقل، ولا وقت للمنطق... ورحت أراقب مجنونتي تحت المطر...


كانت ترقص كأنها تخلع عن روحها كل ما أثقلها، وتضحك كأن الضحك طقسٌ من طقوس التطهّر. كانت سعيدة، ليست تلك سعادةً العابرة، بل تلك التي تشبه انتصارًا على الحزن.  

هه... وكانت جميلة أيضًا، بل أجمل مما تحتمله العين في لحظة كهذه. شعرها المبلل التصق بجسدها وانسدل على كتفيها مثل جدائلٍ خرجت لتوّها من رحم الليل، يلمع تحت المطر كما لو أن السماء قد رفعت يدها وباركته بلمسةٍ أبدية.


كانت تقفز وتلعب كطفلة خرجت لتوّها من أسوار الروضة، لا تعرف من العالم سوى اتساعه، ومن الحياة سوى لذّتها... تبا... كم ندمت على عدم مشاركتها الرقص...تبا... لماذا لم أُخرج الطفل الذي يسكنني منذ زمن، وأدع له فرصة الجنون؟ لماذا ظللتُ أراقب بينما كان بإمكاني أن أكون جزءًا من هذا الحلم؟


ثم فجأة، توقفت. دخلت المطبخ بخفةٍ تشبه رقصتها، وأعدّت لي فنجان قهوة كما لو كانت تُجيد السحر... في ثوانٍ معدودة، كانت القهوة أمامي، تفوح منها رائحةٌ زكية... اللعنة.!لا أحد في هذا العالم يُجيد تحضير القهوة مثلها. كانت قهوتها تشبه قلبها داكنة، دافئة، ومليئة بالأسرار.


ثم اتجهت إلى مكتبتنا، تمشي كما تمشي القصيدة في صدر شاعرٍ مأخوذ بإيقاعها... كانت خطواتها موزونة، فيها من السحر ما يجعل الأرض تصغي تحت قدميها. مدّت أصابعها كمن يمد يده إلى غيبٍ بعيد، تمرّ على عناوين الكتب برفق، كأنها توقظ أرواحًا محبوسة بين الصفحات… نجيب محفوظ يرمقها بصمته، أحمد خالد توفيق يتأهّب لقصصه، كافكا يبتسم ابتسامةً غامضة من عتمته، التبريزي يتأمل، والشافعي يبارك بحكمة.


لكنها، وبكل جرأةٍ أنثويةٍ خالدة، تجاهلتهم جميعًا، وتوقّفت عند كتابٍ مجهول، غلافه يلمع كأنه يخفي اعترافًا خطيرًا. حملته بين يديها كما تُحمل نبوءة، وقرأت الاسم بصوتٍ منخفضٍ كأنه سرّ:

"غيث منصوري".

:ثم رفعت عينيها إليّ بابتسامةٍ لم أعرف لها معنى، وهمست:

ــ رواية بعنوان: نجاسة العشق


تنهدتُ، وأنا أتناول منها الفنجان، ثم قلت:


— "عزيزتي، قرأناها ألفًا وتسعًا وتسعين مرة..."


— "فلتكن المرة الألفين، إذًا!"


— "لكنها طويلة، وغدًا لديّ عمل... دعينا نؤجلها ليوم الأحد."


نظرت إليّ، بعينين لا تعرفان التأجيل، وقالت:


— "الحياة قصيرة جدًا لنؤجل ما نحب."


أخذت رشفة من القهوة، وشرعت في القراءة، بصوتٍ يشبه الغناء.  

ولم تمضِ دقيقتان، حتى وجدتها تتوسد كتفي، وقد غفت في نومٍ عميق، هادئ، كأن المطر قد غنّى لها تهويدة الوداع.


كانت تلك... آخر مرة أراها فيها.  

 الحياة قصيرة جدًا..... الٱن فهمتك ...


لقد كنتِ محقة يا خليلتي... نعم، الحياة قصيرة جدًا، لكنها بعدكِ أصبحت طويلة على نحوٍ لا يُطاق... كل شيء فيها تغيّر، كل شيء فقد نكهته، حتى الزمن نفسه صار ثقيلاً كأنه يجرّني خلفه لا يمضي بي.


جربتُ جميع أنواع القهوة، بحثتُ عن تلك النكهة التي كنتِ تصنعينها من يديكِ، لكن جميعها كانت مقززة، مرة، بلا روح.  

حاولتُ أن أستعيد شغفي بالكتب، أن أغوص في عوالمها كما كنا نفعل، لكن الصفحات بدت لي طويلة جدًا، مملة، كأنها ترفض أن تُفتح دونك.  

أصبحتُ شبحًا... لا يحب الحياة، لا يشتاق لشيء، لا ينتظر أحدًا.


مرت الأيام ودخل شهر ديسمبر من جديد، ولأول مرة أحسبه شهرًا عاديًا، لا يحمل شيئًا من دفئكِ، ولا من جنونكِ الجميل... تبا، لماذا لا أريد النوم؟ منذ أن وطأ هذا الشهر عتبتي وأنا مستيقظ في لياليه، كأنني أترقب شيئًا لن يعود... الساعة تشير إلى الثانية فجرًا؟! الوقت ذاته الذي كنتِ توقظينني فيه، لتقولي إن المطر لا ينتظر العقلاء.


ثم سمعت قطرات الغيث تنزل... إنها تمطر بغزارة، كأن السماء تبكي معي. لم أرَ إلا نفسي واقفًا، ذاهبًا لمشاهدة المطر، كأنني أُقاد إليه بلا وعي. أنا تحت الماء الآن!! إني أرقص... أرقص تحت المطر، وأضحك وأبكي، كأنني أخلع عني كل ما كبّلني منذ رحيلك. السحاب يخرج ماؤه، وأنا أخرج الطفل الذي في داخلي، ذاك الذي كنتِ تحاولين إيقاظه كل ليلة. ولا أعرف، هل ما يخرج من عيني دموع أم قطرات ماء؟ هل أنا أضحك أم أنني أصرخ؟ هل أنا حيّ أم أنني أُعيد تمثيل موتي كل ليلة؟


ثم فجأة... لمحتها.  

كانت هناك، تراقبني من بعيد، كما كانت تفعل دائمًا حين تنتصر فكرتها على منطقي. كانت تضحك، وتصفق لي، وتبتسم في هدوء، كأنها تقول: "أخيرًا، فعلتها ... أخيرًا رقصت."


ثم اختفت... اختفت للأبد.  

لكنني ظللت أرقص، لا لأنني سعيد، بل لأنني لا أملك شيئًا آخر أفعله سوى أن أرقص في غيابه

ا، تحت مطرٍ يشبهها، في ساعةٍ كانت لها، في شهرٍ كان لها، في حياةٍ كانت هيي.

الكاتب غيث منصوري 


إرسال تعليق

0 تعليقات