ها أنا أشد رحالي هاربا من زحام المدن المخنق، مفلتا من قبضةِ عالمٍ تطحنه المادية بلا رحمة، وتسحقه شمسُ
الجشعِ حتى التيه. أهربُ من صخبٍ يغتال السمعَ، وفوضى تسرقُ الألوان من عيونِ الناس، وحيثُ الأنانية تزينُ عرشها بجماجمِ الأحلام. أبحثُ عن مرفأٍ أخيرٍ في قريتي الصغيرة، حيثُ السماء تلامسُ الجباه العارية، وحيثُ الزمنُ ينسابُ كجدولِ ماء عذبٍ لا يعرفُ العجلة. وهناكَ خلفَ أسوارِ الزحامِ المكتظِّ حياة كأنها مسرحٌ مظلمٌ تتراقصُ عليه ظلال المستغلين. أنفاسها ثقيلةٌ برائحةِ التلوثِ والأحقاد المدفونة. هنا، تقيد الأرواحُ بسلاسلِ الرواتبِ الهزيلة، وتباعُ الأحلامُ في سوقِ النخاسةِ الحديث. حتى الضحكاتُ تتحول إلى صراخٍ مكتومٍ خلفَ جدرانِ الشققِ الضيقة. الجامعة، ذلك التنينُ الذي يبتلعُ براءة الطفولةِ ليقذفَ بِِنا إلى وحلِ المنافسةِ الوحشية، حيثُ المعرفة تسخرُ لخدمةِ الآلةِ لا الإنسان. لكنْ... في قلبِ هذا الجحيمِ المدنيّ، تشرقُ أحيانا شموسٌ صغيرةٌ لا تشبه شمسَ النهار. أناسٌ يحملون مصابيحَ الأملِ في أكفهم الهزيلة، يخطون على حبالِ اليأسِ بقلوبٍ تناجي السماء. ضحكاتهم تثقبُ جدران العزلة، وأيديهم الممدودة تذيبُ جليد الأنانية. نضيء معا، ولو لحظة، دربَ هذا الظلامِ الكثيف، كعصافيرَ ترفرفُ في قفص حديديٍّ ضخم. أما قريتي... فهي الحكاية التي لا تنتهي. هناك، حيثُ تهمسُ الجبال قصصَ الأجدادِ للنجوم، وتنسجُ الأمهاتُ دفء الشتاء على مغازل من ذهبِ القمح. بيتُ والديَّ، ذلك الصرحُ المتواضعُ الذي يشبُه قلبَ أمٍّ حنون، يفتحُ ذراعيهِ كبحرٍ يستقبلُ السفنَ التائهة. أنفاسُ الأرض هنا عابقةٌ برائحةِ الياسمينِ والبساطة، والوجوه تشبه صفحاتَ كتابٍ مفتوحٍ لا يعرفُ الخيانة. في دروبِ القريةِ الضيقة، أسمعُ صدى قدميّ يتناغمُ مع دقّاتِ القلب. الوقتُ هنا سيد نفسه، لا ساعاتُ العملِ القاسية. الناسُ يقطفون الكلماتِ من بساتينِ الصمت، ويغنون للحياةِ بألحانٍ تخلو من التكلف. حتى الفقرُ هنا له بهاء غريبٌ، كوشمٍ قديمٍ على جسد الأرض أعرفُ أن الهروبَ ليس حالا، لكنه نفسٌ أخيرٌ لروحٍ تكاد تختنق. ربما نحملُ القرية في دمائنا كمناعةٍ ضد قسوةِ المدن، أو كشمسٍ صغيرةٍ نشعلها في ليالي الوحدةِ الطويلة. فالعالمُ يحتاجُ إلى من يزرعون النورَ في ثنايا الظلام، وينحتون من صخرِ القسوةِ تماثيلَ أملٍ لا ينكسر.
الكاتب مازن جراي

0 تعليقات