مجلة ظلال الفكرة

مجلة ظلال الفكرة

وحدة في الزحام



 مع كل خطوة أخطوها، أعود إلى نفس النقطة، وحيدًا كما كنت. عشتُ سنواتٍ طويلة أبحث عن علاجٍ للوحدة التي تغلف قلبي، وكلما ظننتُ أنني وجدت من ينقذني من وحدتي، سرعان ما أفاجأ بأنني أعود إلى عزلتي مجددًا رغم الوجوه الكثيرة التي تحيط بي. أمضي الليل وحيدا والنهار وحيداً لا أحد يستمع، ولا أحد يحدث، ولا من يشاركني الألم أو الفرح. كأنني أطفو في بحرٍ من الناس، وكلهم يغرقون في صمتٍ عميق، لا يختلف عن صمت القبور. كم من مرة حاولت أن أتقاسم لحظاتي مع الآخرين، أن أمد يدي إليهم طلبًا للعون، فإذا بهم يمضون، وكأنني مجرد حضور عابر، تاركين إياي في وسط الزحام ليس لي فيه أنيس ولا رفيق. وفي كل مرة أعود إلى وحدتي، أشعر وكأنني أحفر حفرةً أعمق في نفسي. أبحث عن شيءٍ يعيد لي الأمل، لكن لا شيء يظهر. كل من حَسِبْت بإمكانهم أن يملأوا فراغي، كانوا مجرد ظلال، تظهر ثم تختفي في لحظاتٍ عابرة. هذه الوحدة الأبدية التي تلاحقني ليست مجرد شعور، بل جزء مني. مهما حاولتُ الفرار منها، أعود إليها مرارًا، حتى أصبحت أتعايش معها كأنها جزء من كياني. عزلة تتسلل إلى كل لحظة من حياتي، تجعلها تمر ببطء، وكأنها لا تنتهي أبدًا. ورغم أنني محاطٌ بكل هؤلاء الأشخاص، يبقى الفراغ يلتهمني من الداخل، ولا شيء يستطيع أن يطفئ هذا الحزن الذي لا يرحل. في تلك اللحظات، لا أستطيع إلا أن أسأل: هل أنا محكومٌ بهذه الوحدة؟ هل هي قدري الذي لا مفر منه؟

الكاتب مازن جراي

إرسال تعليق

0 تعليقات