أحوال النفس البشرية والصحة النفسية
مقدمة :
تظل النفس البشرية لغز الألغاز، ومحور وجود الإنسان وتفاعله مع العالم. فمنذ أقدم العصور، انشغل الفلاسفة والأطباء والحكماء بمحاولة فهم أحوال النفس وتقلباتها، من الفرح إلى الحزن، ومن الطُمأنينة إلى الخوف والقلق. وفي وقتنا الراهن، تبلور هذا الانشغال في مفهوم الصحة النفسية (أو العقلية) الذي يحيل إلى حالة التوازن العاطفي والسلوكي للفرد، وخلوه من الاضطرابات.
لكن مفهوم الصحة النفسية ليس وليد اليوم؛ فقد كانت علوم تدبير النفس وتهذيبها جزءاً أصيلاً من الفلسفة والأخلاق والتصوف. وقد أدرك الرواد الأوائل، كالفيلسوف والطبيب أبو زيد البلخي، العلاقة الوثيقة والاشتباك بين الجسد والنفس، مؤكدين أن اعتلال أحدهما يؤثر على الآخر وأن الأعراض النفسانية قد تكون أكثر اعتراءً للإنسان من الأعراض البدنية.
يسعى هذا المقال إلى استكشاف هذا المجال الحيوي بعمق، متجاوزًا المنظور العيادي الضيق، ليضيء على تقلبات أحوال النفس البشرية، ويعرض للمقاربات المختلفة -قديمها وحديثها- في مداواتها وتحقيق السلامة العقلية والروحية.
العلاج بالقراءة.. كيف يمكن للكتب أن تشفي القلوب المتعبة؟
في عصر يزداد فيه التوتر والقلق كل يوم بين الملايين من البشر، يبحث الكثيرون عن وسائل بسيطة، متاحة وفعّالة، للتعافي النفسي والتحسُّن. وفي واحد من هذه الأساليب التي عادت إلى الواجهة في الآونة الأخيرة، العلاج بالقراءة أو "بيبليوثيرابي" (Bibliotherapy)، حيث يتم استخدام الكتب والمواد المقروءة كوسيلة علاجية مساعدة لتخفيف الأعراض، وتحفيز اكتساب المهارات الحياتية الجديدة للمواجهة والتأقلم، وتطوير الشعور بالمعنى والانتماء.
العلاج بالقراءة هو شكل من أشكال العلاج بالفنون الإبداعية، حيث يُستخدم الأدب لتحسين حياة المصابين من خلال توفير المعلومات والدعم والتوجيه والمساندة، وأحيانا القصة أو السياق لتعزيز الشعور بالأُنس والمشاركة، وذلك من خلال قراءة الكتب والقصص والأعمال الأدبية المختلفة.
وترجع فعالية هذه التقنية إلى قدرة الكتب، وغيرها من المواد المكتوبة، أن تؤثر على المشاعر الإنسانية، إذ توفر الحكمة والتواصل العاطفي والبصيرة والراحة والشعور بالتشارك والعون والانتماء.
وعند التعامل مع حالات مثل القلق والاكتئاب أو المعاناة من الحزن، قد يكون من الصعب أحيانا فهم ما يحدث في عقلك وجسدك، خاصة إذا لم تكن لديك أي تجربة أخرى للمقارنة بها. لذلك يكون العلاج بالقراءة هو وسيلة للمساعدة في سد هذه الفجوة. وعادة ما تتحقق النتيجة المثلى عند مزج هذا الخيار بالعلاج النفسي المتخصص مع خبير في الصحة النفسية والعقلية.
إذ يُعتقد أن قراءة أعمال أدبية محددة، والتحدث عنها مع المعالج النفسي (أو في جلسات العلاج الجماعي)، يساعد المرضى على فهم وجهات نظر مختلفة عن وجهات نظرهم، وفهم الماضي الصعب أو الأعراض المزعجة، أو الشعور بالأمل والرضا والتعاطف. وبشكل أعم، يُعتقد أيضا أن القراءة تُحسّن احترام الذات والوعي الشخصي بالنفس والشعور بالكفاءة والقيمة والمعنى.
هناك أنواع عديدة من العلاج بالقراءة يُمكن استخدامها، سواء بترشيح ومتابعة من الأطباء النفسيين، أو بصورة فردية ومستقلة. وهي :
1- العلاج الإبداعي بالقراءة: والذي يُجرى غالبا في إطار جماعي، مثل نادي القراءة والكتاب، حيث تُقرأ القصص والروايات وتُناقش من قِبل المجموعة، مما يسهم في فهم واستنباط المشاعر والمخاوف والأفكار.
2- العلاج التنموي بالقراءة: والذي يُستخدم في البيئات التعليمية، وكذلك من قِبل الآباء أحيانا لشرح قضايا الطفولة والمراهقة لأطفالهم بشكل عميق وسلس، مثال: عندما يمنح الأبوان طفلهما المراهق كتيبا عن البلوغ أو التنمر وغير ذلك.
3- العلاج الوصفي بالقراءة: والذي يستخدم كتب المساعدة الذاتية والتحليل النفسي، سواءً في بيئة سريرية مع متخصص صحة نفسية أو بشكل فردي في المنزل، للمساعدة في تعديل أنماط التفكير والمشاعر والأفعال وتغيير أنماط السلوك.
4- العلاج بالمراجع العلاجية: والذي يُستخدم مع أنواع العلاج النفسي المتخصصة (مثل التحليل النفسي والعلاج السلوكي المعرفي) لإدارة المشكلات النفسية مع الطبيب أو المراجع.
كيف يمكن الاستفادة؟
لطالما ارتبطت القراءة بالتأثير الإيجابي على المزاج والصحة النفسية بشكل عام، وابتداء من القرن الـ20، بدأ علماء النفس بإجراء أبحاث حول الفوائد المحتملة للعلاج بالقراءة بشكل خاص.
ووجدت الدراسات أن قراءة الكتب – وخاصة تلك التي تُقدم منظورا جديدا أو تُخرج القارئ من منطقة راحته – تُعزز التعاطف والتسامح مع الآخرين، وتُنمّي مهارات التعامل مع الآخرين، مثل القدرة على فهم مشاعرهم.
ففي السياق العلاجي، يُنظر إلى العلاج بالكتب على أنه فعال لأنه يُتيح للمرضى منفذا إضافيا للتغلب على مشاكلهم، ويُساعد الفرد على إدراك أنه ليس وحيدا في صراعاته، خاصة وأن معظم من يعانون من الاكتئاب والقلق يعتقدون أنهم يعانون بشكل فريد وأنهم يعانون من خطب ما لا يشاركهم فيه سواهم.
لذلك يمكن تطبيق العلاج بالكتب على المرضى الذين يعانون من القلق، أو الاكتئاب، أو اضطرابات المزاج الأخرى، أو أولئك الذين يعانون من الصدمات النفسية أو الإدمان، أو أولئك الذين يمرون بتجارب حزن، أو طلاق، أو تحديات أخرى متعلقة بالعلاقات.
على سبيل المثال، قد يوصي المعالج المتخصص في الصدمات النفسية برواية تتناول شخصية عانت من إساءة معاملة في طفولتها. بعد ذلك، يقرأ المريض الكتاب في وقت فراغه، وعند العودة إلى العلاج، يُناقش الكتاب أو التمرين ويُستخدم كنقطة انطلاق لاستكشاف آليات التأقلم عند الشخص وكيف يمكن تطويرها، والتاريخ الشخصي للصدمات، أو عوامل أخرى ذات صلة بالتجربة العلاجية والكتاب معا.
كذلك، يمكن للعلاج بالقراءة أن يساعد في إعادة الهيكلة المعرفية. إذ من خلال قراءة قصص تواجه فيها الشخصيات تحديات معينة، أو تتعلم آليات التكيف، أو تكتشف وجهات نظر جديدة، يمكن للناس اكتساب رؤى جديدة حول حياتهم.
وبالتالي قد يساعد العلاج بالقراءة على تغيير أنماط التفكير، خاصةً عندما تُقدم كتب المساعدة الذاتية تقنيات سلوكية معرفية أو إستراتيجيات لليقظة الذهنية.
هل هو بديل للعلاج النفسي المتخصص؟
العلاج بالقراءة ليس بديلا عن العلاج المهني، لكنه قد يكون ممارسة تكميلية مثالية وفعالة. فقد أظهرت الأبحاث أن القراءة يمكن أن تساعد الأفراد على التعامل بشكل أفضل مع الصدمات والضغوط والتحديات اليومية من خلال تشجيعهم على الاستفادة من نقاط قوتهم، وتعزيز شعورهم بهويتهم الذاتية، وتقوية شبكات الدعم الاجتماعي لديهم.
أظهرت دراسة أجريت عام 2021 على طلاب الجامعات بأمريكا، أنه يمكن استخدام القراءة كنهج علاجي للصحة النفسية، حيث يمكن أن يقلل من أعراض الاكتئاب ويحسن الرفاهية العامة.
كما يُعد العلاج بالقراءة مفيدًا بشكل خاص لمن يجدون التواصل اللفظي أكثر صعوبة. فالقراءة توفر طريقة أكثر خصوصية وشخصية لاستكشاف المشاعر الصعبة.
العمل مع معالج مُدرّب على العلاج بالقراءة يساعد في اختيار مواد القراءة الأنسب لك (بيكسلز)
كيف تبدأ؟
إذا كنت مهتما بتجربة العلاج بالقراءة، فهناك عدة طرق للبدء. يمكنك البدء مثلا بتصفح الكتب التي تركز على مواضيع ذات صلة باحتياجاتك العاطفية أو النفسية.
على سبيل المثال، إذا كنت تعاني من القلق، فقد تجد كتابا للمساعدة الذاتية حول تقنيات الاسترخاء، أو رواية ذات شخصية تتغلب على تحديات مماثلة مناسبا لك.
أو يمكنك العمل مع معالج مُدرّب على العلاج بالقراءة، والذي يُمكنه مساعدتك في اختيار مواد القراءة الأنسب لك. إذ يُدمج العديد من المعالجين العلاج بالقراءة في ممارساتهم، مُقدّمين توصيات مُخصصة للقراءة كجزء من خطة علاجية أوسع.
كما يُمكن أن تُفيدك الموارد الإلكترونية، بما في ذلك المدونات والمنتديات المُتخصصة في العلاج بالقراءة، في اكتشاف الكتب المُتعلقة بتشخيص مُعين، أو في المُشاركة في نقاشات حول تأثير الأدب على الصحة النفسية.
الصحة العقلية والنفسية:
رسالة الكندي " في الحيلة لدفع الأحزان "
على سبيل التقديم:
إنّما غرضنا في هذا المقال تدبر مسألة الحزن والفرح عند أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (185 – 252 هـ / 801 – 866 م) الذي يعتبره بعض الدّارسين مُؤسّس الفلسفة العربيّة. بهذا المعنى، يكتسي النظر في الأبعاد الإشكاليّة لهكذا قضيّة أهميّة بالغة، باعتبارها من بين أبرز المباحث الإتيقيّة الخاصّة بالعقل الأخلاقي العربي، فضلا عن كونها تتنزل ضمن فضاء إبستيمي مداره سياسة النّفس وتدبيرها عند فيلسوف العرب، سعيا منه إلى: “رسم أقاويل تضاد الأحزان وتنبّه إلى عوراتها وتحصّن من الألم بملكها”. وفي السيّاق عينه، يرى الكندي أنّ: “مثل نفسك الفاضلة وأخلاقك العادلة أنِفتْ من تملّك الرّذائل وطلبت التحصين من آلامها وجور أحكامها. وقد رسمت لكم بحسب ما رجوت أن يكون لك كافيا”.
إنّ تحصيل هذا الرّهان هو ما طالعنا به الكندي في مستوى رسالته الفلسفيّة الموسومة: “في الحيلة لدفع الأحزان” حيث استهلها فيلسوفنا الفذّ ببيان القصد من كتابة هذه الرّسالة وهو “تحصين النّفس من الألم”. سيّما وأنّ “إصلاح النّفس وإشفاؤها من أسقامها أوجب شديدا علينا من إصلاح أجسامنا، فإنّا بأنفسنا نحن ما نحن لا بأجسامنا”. وفي الأمر نظر لاحقا في القسم التّحليلي تدقيقا.
وعلى هذا الأساس، قمين بنا التنبيه إلى راهنيّة تلكم المسألة التي أثارها الكندي في رسالته الفلسفيّة المذكورة آنفا، بما يسوّغ لنا البحث في سُبل الإفادة العمليّة منها راهنا، عسانا ندفع جملة الأحزان والآلام التي نعيشها في كلّ لحظة وحين، جرّاء استفحال الشّر الأنطولوجي بلا هوادة، وتزايد أزمة المعنى والقيم زمن العولمة، واستشراء الصراعات والحروب، وتأبيد العنف اللّامشروع في واقعنا العطوب الذي يدعو إلى الغثيان على حدّ عبارة سارتر الشّهيرة. ولكن، ماذا لو اتّضح أيضا تضاعف مأساتنا كونيا نتيجة معضلة الجائحة الوبائيّة (الكورونا) وغيرها من الأوبئة الفتاكة والكوارث الطبيعيّة المختلفة. و”لأنّ كلّ ألم غير معروف الأسباب غير موجود الشفاء”. فينبغي إذن في تقدير الكندي “أن نبيّن ما الحزن وأسبابه، لتكون أشفيته ظاهرة الوجود، سهلة الاستعمال”.
في ماهيّة الحزن وأسبابه لدى الكندي
إذا ما عدنا في مستوى أوّل إلى: “القاموس المحيط” للفيروز آبادي، نقرأ ما يلي بخصوص مفهوم الحزن الذي يفيد “الهمّ ومنه الحزانة وهمّ العيال نتحزن لأمرهم والحزون، سوأة الخلق والحزن ما غلظ من الأرض، والتحزن أي التوجع”.
نستجلي من هذا التحديد أنّ الحزن قاموسا يُحمل على معنى: الهمّ والتوجع وسوء الخلق وغلظة الطبع والدّلالات عينها، لألفيناها حاضرة بشكل لافت في ما يُعرّف به الكندي الحزن الذي هو “ألم نفساني يعرض لفقد المحبوبات وفوت المطلوبات”. نفس التعريف يستعيده مسكويه في رسالة: “تهذيب الأخلاق” معتبرا أنّ الحزن يلحق “من فقد ملكا أو طلب أمرا فلم يجده…[و] الحزن ليس بضروري ولا طبيعي”. في هذا الحدّ رصد لماهيّة الحزن ولأسبابه في نفس الآن. ولما كانت غاية قول الفيلسوف هي البحث عن السّعادة فإنّه يبدأ بحد هذه الأخيرة حدا سلبيا وذلك بحد مقابلها إيجابا عملا على التمكن منه ومن أسبابه. وبهذه السبيل المعرفيّة نقدر على اقتلاع هذا المقابل اقتلاعا جذريا أن ندرك منذ البدء الغاية العمليّة للحكمة.
إنّ الحزن نقيض الفرح والبهجة والسّعادة، ذلك أنّ “الحزن والسرور ضدان لا يثبتان في النّفس معا: فإذا كان محزونا لم يكن مسرورا، وإذا كان مسرورا لم يكن محزونا”.
إنّ الألم في تقدير الكندي هو مبعث الحزن، والحزن هو وجه من وجوه التّعاسة التي يسعى كلّ عاقل إلى تجنّبها وطلب ضدّها وهي السّعادة. فـ “إذا كان الحزن إنّما [هو] من آلام النّفس” فإنّ الألم هو “الوجع والعذاب الذي يبلغ إيجاعه غاية البلوغ”.
يرى الكندي أنّ عالم الكون والفساد يُشكّل عائقا دون امتلاك جميع المطلوبات أو اكتساب جميع المحبوبات عنده، ومن هنا ألفيناه يقترح استبدال طلب هذه المقتنيّات داخل عالم عقلي تكون ميزته الثبات، وذلك إذا أردنا أن لا تنال الآفات مقتنياتنا ممّا لا يتوفر في المقتنيّات الحسيّة التي هي مُؤقتة ولا يؤتمن فسادها أو تبدلها. إنّ من أراد غير هذا أراد ما ليس في طبعه كإنسان ومن أراد ما ليس في الطبع فقد أراد ما ليس موجودا، وبالتّالي لن يحصل على مطلبه فيصيبه الشقاء بسبب ذلك، وهكذا فإنّ سبب الشقاء هو طلب الموقوتات. علينا إذن، أن لا نأسف “على ما ينصرف منها عنّا”
يُردّ الحزن الشديد في تقدير الكندي أيضا إلى النّفس، بما يُسوّغ إصلاحها وذلك من خلال تطهيرها من أدران المادّة بتغليب العقل على الشهوة والنزوات ودفع الآلام والأحزان. يقول الكندي: “وإذا كان الحزن إنّما من آلام النفس، وكان واجبا عندنا أن ندفع الآلام الجسدانيّة عنّا بالأدوية البشعة والكيّ والقطع والضمد والأزم: (القطع، أو الشد وإحكام الرّباط) وما أشبه ذلك من الأشيّاء المشفيّة للأبدان، وأن نحتمل في ذلك الكلفة العظيمة من الأموال لمن شفى من هذه العلل، وكان فضل مصلحة النفس وإشفائها من آلامها على مصلحة البدن وإشفائه من آلامه كفضل النفس على البدن”.
نتبيّن من هذا القول تأكيد الكندي على وجوب إصلاح النّفس بما هي أساس ماهيّة الإنسان وأفعاله. كما أبرز التقابل الذي يقوم عليه إصلاح النّفس أي اليُسر على المستوى المادّي من جهة بما هو إصلاح لا يتطلّب إنفاق مال ولا يعتمد وسائل علاجيّة مؤلمة، والعسر على المستوى الأخلاقي (المعنوي) من جهة ثانيّة، إذ يقتضي إصلاح النّفس مُغالبة الشهوات بقوّة الإرادة والمثابرة.
لعلّنا، لا نجانب الصّواب عندما نقول بالتقارب بين الكندي وسقراط في مستوى اعتبار أنّ غاية الفلسفة، إنّما هي التحكّم في الشهوات. وحسبنا دليلا عمّا نزعم ههنا، اتّفاق بعض الباحثين أنّ لسقراط حضورا قويا في فلسفة الكندي الأخلاقيّة، ويتمظهر هذا التلقي في رسالة الكندي: “في الحيلة لدفع الأحزان”. كما نتبيّن امتداداته أيضا من خلال الرّسائل التي الّفها الكندي عن فضيلة سقراط، وألفاظ سقراط، ومحاورة سقراط مع غيره، وخبر موت سقراط. ولأمر كهذا، بمستطاعنا التأكيد على تنوّع يسم مصادر الكندي الخلقيّة، بدءا من سقراط والرواقيين وانتهاء بإفلوطين.
إنّ كلّ فلسفة في الأخلاق تفترض رؤية معيّنة لجوهر الإنسان وأنّ هذه الرؤية ذاتها تثير مشكل العلاقة بين النفس والجسم، وهو ما ألفيناه واضحا في طبيعة تصوّر الكندي لماهيّة الإنسان، بتأكيده على أنّ النّفس هي جوهر الإنسان بينما يبقى الجسم مجرّد آلة مشتركة بين كلّ الكائنات والأشيّاء وإبراز الأسّس التي يقوم عليها الإقرار بجوهرية النّفس من ذلك: التفكير، الثبات، التعالي، الخلود، البساطة… في مقابل عرضيّة الجسم: الغريزة، التغيّر، الفناء… إلخ في إطار ثنائي ميتافيزيقي. واعتمادا على المفاضلة الموجودة بين النّفس والتّأكيد على أنّ النّفس هي جوهر الذّات. فالأفضليّة الأخلاقيّة للنّفس ناتجة عن أفضليتها الأنطولوجيّة. هذا مصداقا لقوله: “النّفس سائس والبدن مسوس، والنّفس باقية والبدن داثر، ومصلحة الباقي والعناية بتقويمه وتعديله أصلح وأفضل من إصلاح وتعديل الداثر لا محالة الفاسد بالطبع. فإصلاح النّفس وإشفاؤها من أسقامها أوجب شديدا علينا من إصلاح أجسامنا: فإنا بأنفسنا نحن ما نحن، لا بأجسامنا، لأنّ الجسم مشترك لكلّ ذي جسم، فأمّا حيوانيّة كلّ واحد من الحيّة فبنفسه، وأنفسنا ذاتيّة لنا، ومصلحة ذاتنا أوجب علينا من مصلحة الأشيّاء الغريبة منّا. وأجسامنا آلات لأنفسنا تظهر بها أفعالنا: فإصلاح ذواتنا أولى بنا شديدا من إصلاح آلاتنا”.
إنّ العناية التي حظيت بها النفس مردها أنّها مركز للتدبير والسياسة، في حين يظل البدن يتهدده الفناء، فالاهتمام بالأبقى لأفضل، ناهيك أنّ الإنسان هو كذلك بنفسه لا بجسمه. خليق بالملاحظة إلى إعلاء الكندي من شأن الإرادة في الممارسة الأخلاقيّة وتأكيده على أهميّة التدرّب والعادة في إصلاح النفس. رغم الطابع الزّهدي الذي يمكن أن يفهم من دعوته إلى الصّبر وخطرها الممكن على فعّاليّة الإنسان في العالم. وضمن هذا السياق العامّ الذي اختطه الكندي، في تأسيسه لعناصر الفلسفة العمليّة، يتقدّم مشروع أبو بكر الرّازي الأخلاقي كمحاولة في سبيل تركيز أخلاق عقليّة مستندة إلى التجربة العمليّة لحياة النّاس. وقد كان للموقع الذي شغله الرّازي بوصفه طبيبا الأثر البالغ في نقل النموذج الطبي في علاج الجسم إلى مجال الأخلاق، حيث يتم ضمن هذه الرّؤية علاج النّفس ومداواتها كما لو أنّنا إزاء الجسم.
على هذا النّحو من النظر، يتراءى لنا أنّ الحزن يُعزى إلى أسباب ذاتيّة – سيكولوجيّة وأخرى موضوعيّة – أنطولوجيّة في تقدير الكندي. ولا يتمّ استبعاد الحزن إلّا بشروط منها معرفة طبيعة الحزن ومنزلته من النّفس واستنباط حيّل عقليّة وأخلاقيّة من شأنها أن تصرف هذه الأحزان. ولنا في ذلك وقفة تأمّل تباعا.
في إحصاء الحيّل / الوصايا العقلية والأخلاقية لدفع الأحزان من منظور الكندي
لا شكّ في أنّ دفع الأحزان عن الإنسان في تقدير فيلسوف العرب رهن التزامه بجملة من الحيّل / الوصايا، لهي في مدلولها العميق أدوية ناجعة وفعّالة تُساعد على تحصين النّفس من براثن الأحزان والآلام والشقاء والنصب واللّغوب، نعرضها كالآتي:
الحيلة الأولى: تقسيم الحزن إلى ما هو من فعلنا وإلى ما هو من فعل غيرنا
ينبغي علينا أوّلا تقسيم الحزن إلى أقسامه، فهو إمّا ناتج عن فعلنا الخاصّ أو هو فعل غيرنا فينا. فإن كان من النمط الأوّل وجب علينا تجنبه، أمّا إذا كان من فعل غيرنا فينا،”فإن كان دفعه إلينا فينبغي أن ندفعه ولا نحزن، وإن كان دفعه ليس إلينا فلا ينبغي أن نحزن قبل وقوع المحزن، فلعلّ الذي إليه دفعه أن يدفعه قبل وقوعه بنا، ولعلّ الذي إليه الأحزان ألّا يحزن ولا يفعل الذي خفنا فإن حزنّا قبل وقوع المحزن كنّا قد أكسبنا أنفسنا حزنا لعلّه غير واقع بإمساك المحزن عن الأحزان أو لدفع الذي إليه دفعه عنّا، فكنّا أكسبنا أنفسنا حزنا لم يكسبناه غيرنا”.
صنّف الكندي الأشيّاء وميّز فيها بين “ما أمره بيدنا وأمره ليس بيدنا”[تساوقا مع ما ذهب إليه الرواقيون، ليرصد بذلك أسباب الحزن ويدعو النّفس بمقتضى ذلك لتفادي الألم بالزّهد في القنيات التي إن فقدناها أصابنا الغمّ. هذا مصداقا لقوله: “الحزن والسرور ضدان لا يثبتان في النّفس معا: فإذا كان محزونا لم يكن مسرورا، وإذا كان مسرورا لم يكن محزونا. فينبغي إذن أن لا نحزن على الفائتات ولا فقد المحبوبات، وأن نجعل أنفسنا، بالعادة الجميلة راضيّة بكلّ حال، لنكون مسرورين أبدا”.
نستجلي من هذا القول أنّ دربة النّفس وتربيتها على العادة المحمودة في نظر الكندي، لهي الخطوة الأولى لدفع الأحزان. ومن بين هذه العادات على نحو ما ذكرنا آنفا، الصّبر على الفائتات والسّلوة عن المفقودات وفي ذلك لشحذ للعزيمة وتحرّر من سلطان الضّرورات.
الحيلة الثانيّة: تذكّر السلوى عن المحزونات القديمة
يرى الكندي أنّ “من لطيف الحيلة في ذلك تذكر محزناتنا التي سلونا عنها قديما ومحزنات غيرنا التي شاهدنا حزنهم بها وسلوتهم عنها، وتمثيلنا في حال المحزن محزنا بالسالفات من محزناتنا والمحزنات التي شاهدنا وما آلت إليه من السلوة، فإنّ لنا بذلك قوّة عظيمة على السلوّ”.
إنّ الحيلة التي يضعها الكندي لدفع الأحزان هي تقسيم الحزن لبيان ما تقتضيه الحكمة من ترك الأفعال التي تحزننا وصرف الاهتمام عن التّأثر بما هو خارج عن إرادتنا وعدم الحزن على شيء لم يحدث بعد. كما يجب كذلك تذكّر الأحزان التي مرّت بنا، أو شهدها غيرنا، حيث تكون لنا دواء مُفيدا.
الحيلة الثالثة: تذكّر السلوى عن الفقر
تتعيّن هذه الحيلة / الوصيّة فيما يستلزمه العقل من تقصير لمدّة الحزن بدفع البلاء الذي يمكننا دفعه، سيّما وأنّ دفع البلاء لواجب أخلاقي. هذا ما عبّر عنه الكندي بقوله: “وأشقى الأشقياء من لم يجتهد في دفع البلاء عن نفسه بما أمكنه دفعه. وينبغي أن لا نرضى بأن نكون أشقياء ونحن نقدر على أن نكون سُعداء”. ولقد برّر فيلسوف العرب واجب دفع الشقاء أو الحزن عن النّفس باعتبار الحزن وضعا في الإنسان أي حالة من حالات وجوده لا طبعا راسخا فيه. وهي مسلّمة لتستوجب إذن دفع الحزن من جهة أنّه عرض.
أن نلاحظ أيضا من حولنا من النّاس، الذين آلوا إلى الفرح والنسيان بعد انقضاء زمن الحزن، ويشير الكندي هنا أنّ الكثير من النّاس يستلذون بحالة الحزن التي تصير لهم وضعا. إذ “لو كان واجبا أن نحزن على ما نفقده لوجب أن نكون أبدا محزونين. فينبغي للعاقل أن لا يفكّر في الأشيّاء الضّارة المؤلمة، وأن يقلّ القنيّة ما استطاع إذا كان فقدها سببا للأحزان”.
الحيلة الرّابعة: تذكّر ما بالطبع
يقول الكندي في معرض حديثه عن هذه الحيلة ما يلي: “وينبغي لنا أيضا أن نتذكّر أنّا إذا أردنا أن لا نصاب بمصيبة فإنّما أردنا أن لا نكون البتة، لأنّ المصائب إنّما تكون بفساد الفاسدات، فإن لم يكن فساد لم يكن كائن. فإذن إن أردنا أن لا تكون مصائب، فقد أردنا أن لا يكون الكون والفساد في الطبع. وأيضا فإن أردنا أن لا يكون ما في الطبع فقد أردنا الممتنع، ومن أراد الممتنع حُرم مراده، ومن حرم مراده فشقيّ”.
شدّد الكندي على ضرورة التحرّر من الجهل والشقاء، مادام الأوّل مُكسب خساسة، وهو الجهل، والثّاني مُكسب ذلة وشماتة، وهو الشقاء. معتبرا في ثنايا ذلك كلّه، أنّ من موجبات الحياة في هذا العالم حصول الحزن والمصائب، فلا يفلت منها أيّا كان. ناهيك أنّ حكمة العقل لتقول باستحالة المهرب من القانون العامّ للواقع ولا محيد عنه. فقانون الوجود هو أن نوجد – ما دمنا قد وجدنا – على ما نحن عليه لأنّه محكوم علينا ألّا نكون شيئا آخر، أو بعبارة الكندي “ليس برديء أن نكون ما نحن، إنّما الرديء أن لا نكون ما نحن”. وأن لا نكون ما نحن معناه الاستلاب والتشوه بالخوف والاضطراب والجهل والأسف، وهذه انفعالات معبّرة جميعها عن الحزن ومبعدة عن العقل الذي “يضع الأشيّاء مواضعها”.
الحيلة الخامسة: التمييز بين ما يعود وما لا يعود أمره إلينا
إنّ الحكمة من هذه الحيلة تتعيّن في الوعي بأنّ: “جميع الأشيّاء التي تصل إليها الأيدي مشتركة لجميع النّاس، وإنّما هي مجاورة لنا لسنا أحقّ بها من غيرنا، وأنّ الغالب عليها هي له ما غلب عليها. وأمّا الأشيّاء التي هي لنا وغير مشاركة لغيرنا فهي لا تصل إليها الأيدي ولا يملكها علينا غيرنا، التي هي قنيّة أنفسنا من الخيرات النفسانيّة. فهذه هي التي لنا العذر في الحزن عليها إن فقدناها من أنفسنا”.
إنّ دفع الحزن في تقدير الكندي يرتهن في الاقتناع باشتراك النّاس في كلّ ما تصله الأيدي، وبالتّالي فليس من الحكمة الحزن عليه، لأنّ الحزن يجب أن يُطال ما هو لنا بالطبع من قبيل الخيرات النفسانيّة، والدّواء هنا هو “الابتعاد عن الحسد” وعن كلّ سلوكات وأفعال الشرّ والبغضاء والكراهيّة والأنانيّة والنرجسيّة المقيتة. ذلك أنّه “ينبغي لنا أن لا نقرف أنفسنا بالحسد، إذ هو أكمل الشرارات”. لأنّ “من أحب أن ينال الأعداء الشرّ محبّ للشرور، ومن أحبّ الشرّ فهو شرّير. وأشرُّ من هذا من أحبّ أن ينال الأصدقاء الشرُّ (…). فأمّا من حزن على أن يتناول قنية غيره فمحسود. فينبغي أن لا نرضى بهذه الخساسة”.
الحيلة السّادسة: عدم ارتجاع العواري
يقول الكندي: “العار والسُّبة علينا أن نحزن إذا ارتجعت منا العواري. فإنّها من أخلاق ذوي الشّره والظنّ وسوء التمييز. ومن أُعير شيئا ظنّ أنّه ملكه – فهذا خارج من باب الشكر”. فإذن من حزن على ردّ ما أعير- فقليل الشكر. وعليه، فإنّ دفع الأحزان ليرتهن في تقدير الكندي ها هنا، بأن نستجبي لأنفسنا من هذا الخلق الخارج عن العدل، وينبغي أن نستجبي من وضع المعاذير الصبيانيّة السخيفة لأنفسنا في الحزن على ارتجاع المعير، بل لنبتهج أشدّ بهج ببقاء زينة عواريّة الشريفة علينا، ولا نأسى على فقد ما ارتجع منّا. إذ كان واجبا أن لو ارتجع كلّ ما أعار، أن لا نحزن بل نبتهج، إذ كان بهجنا الأكثر من ذلك من شكره وفي موافقته على محبته.
الحيلة السّابعة: في ضرورة تقليل القنيّة
إنّ دفع الأحزان في هذا الإطار، رهن “تقليل القنيّة، إذ كان عدمها وفوتها – إذ كانت من الخارجة عنّا – سببا للأحزان. فإنّ من ذلك وحده يكون الحزن”.
إنّ ضرورة امتلاك الأشيّاء التي هي قنيّة للنّفس، فهذه لا يمكن أن تؤخذ أو تفتك، إذ ليست هي من القنيّات المشتركة. لذلك إذا حدث واسترجع أحد الأشيّاء كان مودعا عندنا، فلا ينبغي أن نحزن على ذهابه، فعلى العكس من ذلك يكون هذا الأمر مصدر فرح لا حزن، لأن يسترجع هو الخسيس فقط، وليس الأفضل “أعني النفسانيّات وما يتّصل بنا وبعقلنا”.
إنّ التقليل من القنيّات الخارجيّة من شأنه أن يُساعد على التقليل من الحزن. يلجأ الكندي في هذا الإطار إلى رواية تتحدث عن قوم صعدوا مركبا باتجاه موطنهم، ولكن هذا المركب توقف بعد الإقلاع لحاجة طرأت. وهنا نُلفى الكندي يُقسّم المسافرين إلى ثلاثة أصناف وفقا لغاية كلّ منهم وتعامله مع الأشيّاء التي صادفها أثناء التوقف.
صنف غادر المركب وعاد دون ينشغل بالمكان الذي توقف عنده المركب مكتفيا بما يسمعه وينظر إليه، وذلك غايته ومطلبه، فهؤلاء هم من كان على أخلاق الملوك.
صنف آخر فقد راحته وطمأنينته نتيجة ما حصل مّما وجده من أشيّاء اعتقد أنّها تكون ممتلكات له، إلّا أنّ هذا الصنف من النّاس تمكّن من إيجاد مكان له داخل المركب بالرّغم من الإزعاج الذي تسبب فيه لمن يدعوهم الكندي “أصحاب العقول”.
صنف آخر غادر المركب دون عودته، إذ هو منهمك بجمع ما وجده من مقتنيّات وأمتعة ظنّ أنّ فيها سعادته، وهؤلاء هُم العامّة وأراذل القوم.
الحيلة الثامنة: كره الرّديء وعدم كره الذي ليس برديء
لقد ضرب الكندي أمثلة ملموسة تكشف الرّابط الوثيق بين التّعقل ودفع الأحزان وبين الجهل والوقوع في الشقاء. العقل يبعد عنّا الحزن بما يقدّمه من حجج تبعد عنّا دوافع الحزن من ذلك مثلا أنّه، إذا قلنا أنّه لا ينبغي أن نكره الذي ليس برديء وإنّما ينبغي أن نكره الرّديء. على هذا يُصحّح الكندي موقف البشر من الموت فيقول: “إنّ الموت ليس برديء، وإنّما خوف الموت رديء لأنّ الموت تمام طباعنا. فإن لم يكن موت، لم يكن إنسان بتة لأنّ حدّ الإنسان هو: الحيّ النّاطق المائت”. على هذا الأساس، لا يمكن أن تكون الرّداءة هي أن نموت لأنّ الموت من طبعنا، فمن الحكمة إذن أن لا نحزن، وإذا كان لا بدّ من الحزن فلنعمل على “تقصير مُدّة الحزن” وأن نحزن على أنّنا نحزن لا أن نحزن على أنّنا لا نحزن أو في عبارة آسرة للكندي: “إنّما ينبغي أن نحزن على أن نعدم أن لا نحزن فإنّ هذه خاصّة للعقل فأمّا الحزن على أن نعدم أن نحزن، فهذه خاصّة للجهل”.
نلاحظ أنّ هذا الاستدلال الذي يدفع به الكندي خوف النّاس من الموت، ليستقي منطلقاته الأولى وإرهاصاته الأساسيّة من المعين الرّواقي مُمثلا في “زينون السيتي” (zénon de Cittium) والرواقيين الرّومان مثل:”شيشرون” (Cicéron) و “أبيكتات” (Epictète) و”سيناك”(Sénèque) ناهيك أنّ الحكمة الرواقيّة لتقوم على قبول متبصّر بالأحداث الناجمة عن الطبيعة أو القدر مما يمنح طمأنينة أو سكينة (بالأتراكسيا Ataraxie) تعدّ سبيلا إلى تحصيل السّعادة لأنّها تتوّج من جهة أولى الصفاء الدّاخلي للإنسان، وتعبّر من جهة ثانيّة عن لا مبالاة تجاه الألم والحزن والموت والخوف، أي سائر ما يرتبط بالانفعالات ويتنافى مع العقل. وعلى هذا النحو، فإنّ صورة الكمال في الحياة كامنة وفقا للفيلسوف الرواقي في التلاؤم التامّ والكلّي مع الطبيعة على أساس العقل وليس على أساس الانفعالات. والحكمة الأخلاقيّة تكمن في ممارسة السّلوك المنسجم مع الفضيلة المتمثلة في الحياة وفق مبدأ العقل الذي ينظم الأفكار ويحكم الكون.
إنّ العقل يقتضي: “أن نكون في الطبيعة كما تريدنا أن نكون وأن نريدها فينا كما تريد هي ذاتها”. أمّا عدم العقل “فيضع الأشيّاء في الأشيّاء في غير مواضعها ويظنها بخلاف ما هي”، وليس ذلك دليل جهل وحسب بل هو أيضا علامة على تعامل غير سوي مع الزمن، تعاملا يتمثّل في عيش المرء منتظر ما هو غير مؤكّد وهو ما يؤدي إلى عدم الالتزام بحاضر الفعل. وقد كان مرّ معنا أنّ الحاضر الذي نعنيه ليس أبدا يستغرق كلّ الأزمنة إذ لو كان كذلك لرفعت زمنيته وإنّما هو الحاضر الحيّ الذي هو تعبيرة الفعل والانفعال
وبالجملة، يتضح لنا تلقي الكندي للأخلاق الرّواقيّة التي تميّز بين ما يكون أمره بيدنا وتحت طائلة الإرادة وبين الأمور التي تكون خارج سلطتنا ولا نقدر على الفعل فيها مثل قوانين الطبيعة التي لا يبقى لنا إلّا العيش في توافق معها.
ولا بدّ من الإشارة أيضا إلى عمق التأثير الذي مارسته الأبيقورية في تفكير الكندي، بشأن تلكم المسألة. وحسبنا دليلا عمّا نزعم هاهنا، ما ذهب إليه أبيقور(Epicure) (341 ق.م – 270 ق.م) في “رسالة إلى مينسي” Ménécée))، مفادها “عوّد نفسك على أنّ فكرة الموت هي لا شيء بالنّسبة إلينا، إذ أنّ كلّ خير وكلّ شرّ يكمن في الإحساس، والحال أنّ الموت إلغاء كلّي لهذا الأخير. إنّ هذه المعرفة المؤكّدة بأنّ الموت لا شيء بالنّسبة إلينا ينتج عنها تثمين أفضل للمسرّات التي تمنحنا إيّاها الحياة الفانيّة، لأنّها لا تضيف إليها ديمومة لا نهائيّة وإنّما تنزع عنّا في المقابل الرّغبة في الخلود. وبالفعل فإنّه لا شيء يُثير الرّعب في الحياة بالنسبة إلى فهم فعلا بأنّ لا شيء في الموت يدعو إلى الرّعب. وهكذا علينا أن نعتبر أحمقا من يقول إنّنا نخشى الموت، لا لأنّها تُكربُنا عندما تحلّ بنا وإنّما لتألُّمنا بعد من فكرة كونها آتيت يوما ما. إذ لو أنّ أمرا لا يسبّبُ لنا أيّ اضطراب بحضوره فإنّ القلق المقترن بانتظارنا له يغدو دونما أساس. وهكذا فمن بين الشّرور التي ترتعد لها فرائصنا يكون أعظمها شأنا هو لا شيء بالنّسبة إلينا، إذ طالما نحن على قيد الحياة فالموت ليس هنا، وعندما تكون الموت نكفُّ تماما على أن نكون”.
يدعو أبيقور إلى عدم التفكير في الموت طلبا في الطمأنينة، ما دام التفكير في واقعة الموت، إنّما هو أمر باطل من الأساس ومصدرا لتعاسة الإنسان بالنهاية. فالموت في نظر أبيقور لا شيء بالنّسبة إلينا، إذ يفقد الشيء الذي ينحلّ القدرة على الإحساس، والشيء الفاقد للإحساس هو لا شيء عندنا. فعندما نكون فالموت لا يكون، وعندما يكون فنحن لا نكون، وعلى هذا فالموت وفقا للفهم الأبيقوري لا يعني الأحياء ولا الأموات، لأنّه لا يمتّ بصلة إلى الأحياء، ولأنّ الأموات لم يعودوا بعد موجودين. وعندئذ، فإنّ الحكمة في تقديره لهي تحقيق السّعادة التي تكمن في الشعور باللذّة ومفارقة الألم وإزالته بإقصاء أسباب الخوف التي يصنفها هذا الفيلسوف اليونانيّ إلى أربع: (الخوف من الآلهة، الخوف من الموت، الخوف من الحزن والخوف من الألم).
ولسوف يكون موقف كلّ من أبيقور ولوكراس (98.ق.م – 55.ق.م)[45] الذي أظهر على امتداد مؤلّفه الموسوم: ” في الطّبيعة” وفاء لنظريات أبيقور ومشروعه المتمثل في حكمة تمنح الإنسانيّة الطمأنينة، موضوع مراجعة نقدية من لّدن بيار. بايل بقوله: ” يفترض كلّ من أبيقور ولوكراس أنّ الموت أمر لا يعنينا ولا شأن لنا به. وهما يستخلصان ذلك ممّا يفترضانه من أنّ النّفس فانيّة وأنّ الإنسان لن يحسّ بشيء بعد انفصال النّفس عن الجسد…(…) هذان الفيلسوفان(…) يفترضان أنّ الإنسان لا يخشى الموت إلاّ أنّه يتصوّر أنّها متبوعة بشقاء فعلي رهيب. إنّهما يخطئان ولا يقدّمان أيّ علاج للذّين يعتبرون مجرّد فقدان الحياة شرا عظيما.”
ويواصل بايل دحضه معلنا: “أنّ حبّ الحياة المنغرس في وجدان الإنسان بحيث أنّ اعتبارها خيرا عظيما علامة دالّة على ذلك، ويترتّب عن ذلك أنّ مجرّد انتزاع الموت لهذا الخير يجعلنا نخشاها كشرّ عظيم. فما جدوى أن نقول ضدّ هذه الخشيّة (من الموت): لن تحسّوا بشيء بعد موتكم؟ ألن يردّ عليكما للتوّ: إنّه لكاف أن أحرم من الحياة التي أحبها بهذا القدر وإذا كانت وحدة نفسي وجسدي حالة تخصنّي وأرغب بشدّة في المحافظة عليها، فإنّه لا يمكنكما أن تزعما أنّ الموت الذي يحطم هذه الوحدة هو أمر لا يعنيني. ولنستنتج من كلّ ذلك أنّ حجّة “أبيقور” و “لوكراس” لم تكن محكمة التنظيم، وأنّها لم تكن لتصلح إلاّ في دفع المخاوف إزاء عذابات العالم الآخر. هناك نوع آخر من الخوف ينبغي لهما مقاومته وهو الخوف إزاء الحرمان من نعم الحياة”.
نستخلص من هذا الموقف أنّ الحكمة الأبيقورية الهادفة إلى منح الإنسان الطمأنينة بتحريره من مخاوفه من الموت، لا تحد في شيء من قلقه الذي لا يتعلّق في تقدير بايل بمخاوف وهميّة من عذاب القبر أو العالم الآخر، بل بفقدان الحياة ذاتها والحرمان من نعمها.
الحيلة التّاسعة: كفاية المتبقي
يقول الكندي في هذا السيّاق: “وينبغي أن يكون منّا على بال كلّ فائتة ومعدوم ما بقي لنا من قنياتنا الحسيّة والعقليّة، وأن تتشاغل بذكرها وتعديدها عن السّالفة. فإنّ في تذكّر الباقي سلوة من المصائب”.
الحيلة العاشرة: مقارنة الفائت بالمقبل من المحزنات
أنهى الكندي رسالته بهذه الوصيّة أو الحيلة التي من شأنها دفع الحزن، حيث ألفيناه يُشدّد على ما يلي: “قد يكون منّا على بال عند كلّ محزنة من فائت أو تالف من الحسيّة أنّ الذي بقي علينا من ترقب المصائب بفقد قنياتنا الحسيّة وأنّه قد سقط عنّا – يُقلّ بعض المحزنات”.
يعتبر الكندي أنّ من لم يقتن الخارجات عنه، ملك مُسترقات الملوك، ويقصد رأسا الغضب والشهوة. بوصفهما ينابيع الرذائل والآلام. فأعظم الأسقام في تقديره سقام النفس الذي هو أعظم من سقام البدن. لأنّه من لم يؤثر فيه الغضب والشهوة آثارهما المذمومة فليس عليه سلطان. “ومن آثر الغضب والشهوة تسلطتا عليه وملكتاه وتصرفتا به حيث شاءتا. فبحق أنّه من لم يقتن الخارجات عنه، ملك مسترقي الملوك وغلب أكبر الأعداء الحالة معه في حصنه التي لا يحترس من شرور أسلحتها بحمي الحديد، ولا يؤمن مع مساكنتها أفحش الآثام وجلل البوار”.
إنّ هاته الوصايا العشر أو الحيّل العقليّة والأخلاقيّة على نحو ما أحصاها الكندي، إذا ما التزم بها الإنسان وتمكّن من تثبيتها في نفسه حصنته من الحزن والخوف والشهوة والجهل وساعدته على تحقيق الفرح. هذا تساوقا مع ما أشار إليه فيلسوفنا في خاتمة رسالته، بقوله: “فمثّل، أيّها الأخ المحمود، هذه الوصايا مثالا ثابتا في نفسك، تنجُ بها من آفات الحزن، وتبلغ بها إلى أفضل وطن من دار القرار ومحلّ الأبرار”.
هذا النّداء الكندي لترجمان للمنزع الإنسي، حيث بوّأ الإنسان منزلة الصدارة في تأمّلاته الفلسفيّة برمتها. رُبّ أنسنة منشودة لا تتحقّق، إلا من خلال حسن تربيّة النفس وسياسة المرء لذاته.
لعلّه بالإمكان الآن وفي هذا المستوى من التحليل، استشراف دور الفلسفة ومفاعيلها، تحصيلا للسّعادة ولإتيقا الفرح، وتحقيقا للكمال الإنساني وفقا لمنظور الكندي.
الكندي الرّائد البعيد للفكر الفلسفي عند العرب: قراءة في منزلة الفلسفة ومقتضيات تحصيل السّعادة / الفرح
إنّما مطلوبنا في هذا العنصرالأخير من بحثنا، تقصّي منزلة الفلسفة ومفاعيلها عند فيلسوف العرب أوّلا. وتوجيه تأمّلاتنا شطر إتيقا السّعادة والفرح، بوصفها غاية يشترك في طلبها كلّ البشر، وما يستوجبه ذلك من تساؤل عن طبيعتها وشروط تحقّقها ثانيّا. فكيف ذلك؟
العقل الأخلاقي العربي وكيمياء السّعادة بين التحقّق الدُنيوي والأُخروي عند الكندي
حدّد ابن منظور في لسان العرب السّعادة اشتقاقيا بوصفها: “مصدر من سعد أو سعد ومنه السّعد أي اليمن وهو نقيض النحس، والسّعادة خلاف الشّقاء والسّعيد نقيض الشّقي والسّعد طيب فيه منفعة عجيبة في القروح التي عسر اندمالها، وأسعده، أعانه، إسعاد النساء في المناحات هو أن تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة، وسعود النجوم منازلتها، واستسعد الرجل برؤية فلان أي عده سعدا”. تحمل السّعادة إذن اشتقاقيا أو إتيمولوجيا على معنيين هما: المساعدة والبهجة والشفاء ورضاء النفس من جهة ومواتاة الحظّ ويمن الطابع من جهة ثانية، وهما معنيان واردان في كثير من الألسن الأخرى أيضا، حيث نلفى المعنى الاشتقاقي لمصطلح السّعادة في اللّاتينية (augurium من heur) و الألمانيّة (glück, gelingen ® réussir) والأنجليزية (happiness ® chance favorable) والفرنسية (bon-heur) هو أنها الحظ المواتي أو الملائم وهي في نفس الآن حالة من الرّضا التام الذي يسيطر على الوعي. ولسوف نجد جملة هذه المعاني الخاصّة بماهيّة السّعادة حاضرة بشكل لافت لدى فيلسوف العرب الذي أثار ذات المسألة وطفق يجوس خلالها من الزوايا المتعدّدة المحيطة بها: مفهمة وتنبيها وتحصيلا دنيويا وأخرويا. على الرّغم من أنّ تدبر معنى السّعادة وشروط تحصيلها ضمن المتن الفلسفي لأبي يوسف مهمّة من الصعوبة بمكان، على اعتبار أنّ الكندي لم يفرد مؤلّفا خاصّا بموضوع السّعادة على نحو ما ألفيناه مثلا لدى الفارابي من بعده، حيث خصّص كتابي: “تحصيل السّعادة” و”التنبيه على سبيل السّعادة” للنّظر في مسألة السّعادة بين التحقّق الدُنيوي والأُخروي، وفي بعديها: النظري والعملي.
لا جرم أنّ النّصوص التي تركها لنا الكندي، لم تسعفنا بتعريف مباشر للسّعادة، لكنّنا نُلفى لديه بالرّغم من ذلك حدودا مشتركة تساعدنا على تقصي ماهيّة السّعادة، وتكمن هذه الحدود والرّسوم في:
العقل: “جوهر بسيط مدرك للأشيّاء بحقائقها”.
النّفس: أحد تعريفاتها، “أنّها جوهر عقل متحرّك من ذاته بعدد مِلّف”.
العمل: “فكر بفكر”.
الاختيّار: “إرادة تقدّمها روية مع تمييز”.
الرّوية: “الإماتة بين خواطر النّفس”.
الرّأي: إمّا هو الظّنّ الظاهر في القول والكتاب ويُقال: “أنّه اعتقاد النّفس أحد شيئين متناقضين اعتقادا يمكن الزوال عنه، ويُقال “أنّه الظّنّ مع ثبات القضيّة عند القاضي، والرّأي إذن، سكون الظّنّ”.
الإرادة: “قوّة يقصد بها الشيء دون الشيء”.
العلم: “وجدان الأشيّاء بحقائقها”.
الفهم: “يقتضي الإحالة بالمقصود”.
الظّن: “هو القضاء على الشيء من الظاهر ويُقال: لا من الحقيقة والتبيين من غير دلائل ولا بُرهان، ممكن عند القاضي بها زوال قضيته”.
اليقين: “هو سكون الفهم مع ثبات القضيّة ببرهان”[66].
تتحدّد السّعادة وفقا لهذا المنطوق وفي ثنايا المتن الفلسفي الكندي برمته، بما هي دفع للأحزان والآلام وتحقيق الطمأنينة والفرح. ومن هذا المنطلق، ارتبط مفهوم السّعادة عند الكندي بالنّفس، فهو لم يتناول السّعادة بشكل مباشر، لكنّه تناولها من خلال علاقة النّفس بالجسم وملذاته، لأنّه يرى أنّ الاستغراق في الملذات لا يُؤدي إلّا إلى السّعادة المظنونة. ولأمر كهذا، فإنّ تحصيل السّعادة الحقيقيّة في تقدير الكندي، يقتضي تحرّر النّفس من الجسم وملذاته ومن القنيّة مهما كانت. لأنّ النّفس إذا دخلت في علاقة مصيرية مع القنيّة وفي حال فقدها لها تنهار تلك السّعادة، لأنّها في منظوره ليست حقيقيّة، وتدخل النّفس في شقاء أبدي. وهذا تقليد سقراطي ورواقي بامتياز. كما جعل من طهارة النّفس والتشبه باللّه وانفرادها عن الجسم عاملا مهمّا في الوصول إلى السّعادة الحقيقيّة. وذلك على جهة وقوعه بلا هوادة تحث جاذبية هذا المدّ الفلسفي لكل من الفيلسوفين اليونانيين: فيثاغورس وأفلاطون.
تقوم السّعادة / إتيقا الفرح التي يُؤسّس لها الكندي، انطلاقا من جملة التعريفات السّابقة على حياة التأمّل النظري وقيادة العقل المؤهل لبلوغ السّعادة الحقيقيّة. إلّا أنّ هذا العنصر لا يكفي لوحده، بل يُضاف إلى هذا التأمّل العقلي تزهد روحي، وهذا يدخل في باب الفلسفة العمليّة، وهو جانب أخلاقي غاية الفعل الإنساني التشبه بالفضيلة والوصول إلى تحصيل السّعادة.
من نافلة القول التذكير في هذا المقام أيضا، بالعلاقة التلازميّة بين الفضيلة والسّعادة عند الكندي، فهو يستخدم في هذا السّياق مصطلح “الفضائل الإنسانيّة”. للإبانة على الخلق الفاضل الصّادر عن النّفس. وتتوّزع الفضائل الكامنة في النّفس على: الحكمة والنجدة (الشجاعة) والعفّة، وهو تقسيم مستوحى من التقليد اليوناني لدى أفلاطون وأرسطو. أمّا الفضائل الناتجة عن النّفس والتي تحيط بالجسم، يذكر الكندي الآثار عن النّفس، ثمّ فضيلة العدل.
تعرّض الكندي بالدّرس والتحليل إلى وظائف هذه الفضائل، حيث يقول بخصوص الحكمة التي هي ميزة القوة الناطقة، أنّها “علم الأشيّاء بحقائقها واستعمال ما يجب استعماله من الحقائق”. أمّا فضيلة النجدة (الشجاعة) فمصدرها القوّة الغلبيّة (القوّة الغضبيّة)، وتفيد “الاستهانة بالموت في أخذ ما يجب أخذه ودفع ما يجب دفعه”. في حين تخصّص فضيلة العفّة لتناوّل الأشيّاء التي تدخل في تربيّة الأجسام “وحفضها بعد التمام وائتمار امتثالها والإمساك عن تناول غير ذلك”.
إنّ السّعادة وفقا للتصوّر الفلسفي الكندي هي عين الفضيلة، إذا اقترنت بمبدإ الاعتدال، حيث لا إفراط ولا تفريط. (إذا فهمت على معنى تحقيق اللّذة العقليّة، لا على معنى تحقيق اللّذة الحسيّة أو تحقيق اللّذة الدّائمة لا اللّذة الزائلة). فما تقوم عليه الفضيلة من زهد في الملذات ومن التزام بحياة التأمّل، وما تستوجبه من صفاء داخلي، لا يتحقّق، إلّا بضرب من اللّامبالاة تجاه الألم والحزن والموت والخوف وسائر الانفعالات. لا تحمل الفضيلة على معنى القيمة النظرية المجرّدة، بل على معنى الحكمة العمليّة. وبمقتضى ذلك، فإنّ الفعل المؤسّس على فضيلة الاعتدال يكون خيّرا ويحكمه مطلب السّعادة، كما أنّ الحكيم هو من يكون خيّرا وفاضلا وسعيدا. والحياة السعيدة هي الحياة الفاضلة، والفضيلة هي الفعل العقلاني المطابق للخير. وعليه، فإنّ الفضيلة، لهي تدبير السّعادة وفق ما تقتضيه حكمة العقل.
تشترط السّعادة الدنيوية والأخروية في تحقّقها: العقل والفضيلة والفلسفة وفعل الخيرات والابتعاد عن الشرور والرذائل والقبائح والتشبه باللّه. فالكندي حاول الجمع بين سقراط وأفلاطون وإفلوطين والرواقيين في بحثه مسألة السّعادة ضمن سياقات العقل الأخلاقي. وظلّ فيلسوف العرب منسجما مع طروحات هؤلاء الفلاسفة، ربّما لأنّها وافقت تصوّره لأخلاق روحانيّة لاهوتيّة. هذا ما يسوّغ لنا القول، إنّ أبا يوسف كان يؤسّس لأخلاق روحانيّة شبه ربانيّة، تبدو في تقديرنا مستحيلة واقعيا، وهو ما يتجلّى في ربطه بين السّعادة القصوى الأخرويّة التي لا يراها في هذه الدّنيا، بل يراها في عالم غير هذا العالم وبين الأفعال الحميدة والفضائل الخيّرة التي على المرء اتّباعها ليصل من خلالها إلى بلوغ تلكم السّعادة، باعتبارها استحقاقا وجدارة.
من قبيل الخاتمة: نتائج وآفاق
ولقد صرّفنا القول في مسألة الحزن والفرح عند الكندي على نحو يجلّي لنا دوافع الحزن الذاتيّة والموضوعيّة، أو السيكولوجيّة والأنطولوجيّة، وتعرّفنا في ثنايا ذلك على جملة الحيّل أو الوصايا العقليّة والأخلاقيّة اللّازمة لدفع الأحزان وما يقترن بها من آلام وتعاسة وتعبا ولوعة في نفسيّة الإنسان الحزين، تحصيلا لإتيقا الفرح والسّعادة.
إنّ الوصايا العشر التي كُنّا قد فصلنا فيها القول تفصيلا مع الكندي في إطار انهمامه بسياسة المرء لنفسه، لهي في حقيقتها معبّرة عن حاضر الحياة والفعل والإرادة، لأنّه لا دعوة فيها إلى رجاء غير مُبرّر ولا إلى خوف من الموت أو من فقدان القنيات.
من الأهميّة بمكان الإقرار هاهنا أنّ مباشرة النّظر في هكذا مسألة، قد مكّننا من تبيّن بعض سياقات العقل الأخلاقي من منظور فيلسوف العرب، حيث ألفيناه مهتما بشكل لافت بسياسة النفس وتدبيرها، وحريصا كلّ الحرص على تأصيل الأخلاق، بما هي نظام سلوك مكتسب قائم على العادة ويشترط الصبر وقوّة الإرادة ومن ثمّ يشترط العقل والإقرار بأهميّة التربيّة والتدرب والتعوّد في بناء سلوك ما أو في تغييره. وإذا كان الخلق مكتسبا، فيكون من الأنسب تكريس تربيّة جيّدة تساعد على تأصيل العادات الحسنة من أجل أن “يصير ذلك الخلق مستفادا”. الأمر الذي يحيل على الترابط الموجود بين البعدين النظري والعملي في فلسفة الكندي وأثر هذا الترابط في تحديد موقفه من الإنسان ومن النّفس خصوصا. ولهذا تعتبر رسالته: “في الحيلة لدفع الأحزان” في تقديرنا رسالة في الفلسفة الأخلاقيّة من جهة والفلسفة التربويّة من جهة أخرى.
ومن هذا كلّه، يمكننا اعتبار الكندي من الفلاسفة البارزين في مجال الفلسفة الخلقيّة على وجه الخصوص وعلى الرّغم من اعتماده على مصادر مُتعدّدة دينيّة وفلسفيّة بفعل تأثير التيارات الفلسفيّة الوافدة على التراث العربي(الأفلاطونيّة، الفيثاغورية، الأرسطيّة، الأفلاطونيّة المحدثة ونحو ذلك)، فإنّه استطاع إلى حدّ كبير أن يمزج بينهما مزجا دقيقا مضيفا إليها بُعدا عمليا، وهذا ما جعل مجالات فلسفته الخلقيّة ممثلة للبعد الفلسفي النّظري والبعد الاجتماعي العملي معا، والذي لسوف تتوطد معالمه بالتساوق مع طروحات كلّ من الرّازي والفارابي ومسكويه.
إنّ الصدق الذي كتب به الكندي رسالته “في الحيلة لدفع الأحزان”، ليدلّ على أنّه عبّر بها عن تجربة ذاتيّة، إذ عاش محنة مُؤامرات الحسّاد وقطع مرحلة “الهزيمة السياسيّة”. فكان ما كتبه نابعا من إحساسه بالألم ومن تجربته في دفع الأحزان التي ألمّت به، فكانت بحقّ نصائح أخلاقيّة تسعى إلى رسم دروب السّعادة الدنيويّة والأخروية. فما أحوجنا اليوم إلى تلكم الوصايا / الحيّل، عساها تقينا من الأحزان والمآسي ما تقدّم منها وما تأخر وتساعدنا على تحصيل الفرح المنشود، أو السّعادة المأمولة زمن العدميّة والعبثيّة والرّداءة واللّا-معنى واللّا-مسؤوليّة المُعمّمة معموريا. إجمالا يبقى نصّا الكندي (رسالة في الحيلة لدفع الأحزان) ومسكويه (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) – في تقديرنا- “نصين عمليين” بما هما ذاتهما موضوع ممارسة عمليّة فضلا عمّا فيهما من آراء ونصائح ووصايا تمكّن من جودة الفعل، فهما يُشكّلان دليل وقوام الممارسة اليوميّة، وهما شأنهما شأن الكثير من النّصوص الرواقيّة – نصّان تعاليميان توجيهان يمكّنان الأفراد من مُساءلة تصرفاتهم ومراقبتها حتّى تتيسر سياسة الفعل وتدبير التصرّف وتشكيل الذّات إتيقيّا. وما همّ الإتيقا إن لم تكن سُؤالا في الكيفيّة التي يحيا بها الإنسان إنسانيّا؟ وما سُؤال تلك الكيفيّة إن لم تكن سُؤالا في معنى الحياة الإنسانيّة وفي قدرة الإنسان على الوجود وفق ذلك المعنى؟ أوليس من السّعادة إذن أن يقد الفيلسوف “حكمته العمليّة” من لحم التجربة الفردية والجماعيّة لتنقدر معقوليّة أفعاله على قيمه ولتنفتح قيمه على التصيرات الإصطراعيّة للأفعال التي تجاهد لتمكين معقوليتها في التّاريخ؟
إنّ المبحث الأقدر على جعلنا نفكّر بالفلسفة الإسلاميّة كجزء من همّ الذّات اليوم، إنّما هو مبحث “الإتيقا” كأشدّ التساؤلات خصوصيّة، لأنّه يدور حول الإنسان الذي هو نحن. إنّ إنسانيتنا هي حجّتنا دائما ضدّ العالم “الحالي”، ولكن أيضا ضدّ تاريخنا وضدّ أنفسنا. فإنّ عديد الأسئلة الأساسيّة لم تُطرح بعد، ليس فقط حول الفلسفة بل حول الإنسان العربي نفسه. تساوقا مع ما ذهب إليه أستاذي الكيس فتحي المسكيني في هكذا عبارات آسرة وبليغة من لّدنه. ناهيك أنّ معنى “الإتيقا” في تقديره، لهو الخيط اللطيف الذي يشدّ مقاصد الفلاسفة من الكندي إلى ابن طفيل مرورا بالفارابي وابن باجة. فليست الفلسفة المقصودة ههنا شيئا آخر سوى “الفلسفة” نفسها، في ماهيتها التي تحدّدت منذ الكندي إلى ابن باجة بوصفها في جوهرها “إتيقا” (Ethique)، أي “معرفة الإنسان نفسه”، و”بقدر طاقة الإنسان”. فإنّما هي في ماهيتها “فلسفة عمليّة” بالمعنى الأقصى لمفهوم”العمل” (Pratique) بوصفه وجود الإنسان نفسه. إنّ المقصد الأسنى لما كانت الفلسفة عندئذ إنّما هو “السّعادة”، التي هي المطلوب الأقصى لكلّ ضرب من الانشغال بالنظر.
ومهما يكن من أمر، فإنّ أهميّة هذه الدّراسة لا تكمن في هذه النتائج التي انتهينا إليها، فهي نسبيّة ولا تدّعي لنفسها الحسم النهائي، وإنّما في الآفاق التي تهفو إلى فتحها سواء في مقاربة تراثنا الفلسفي القديم ومساءلة قضاياه أو في طريقة استثماره في واقعنا الرّاهن. ذلك أنّ التأمّل في كلّ هذه الإمكانات الفكريّة التي فتحها الكندي وغيره من الفلاسفة العرب، يجعلنا نعتقد أنّ المرحلة الحضارية التي نعيشها، قد تكون هي المرحلة التي تبرز راهنيّة هذه الفلسفة وضرورة استعادتها. ولكنّها، لن تكون لها قيمة، إلّا إذا فهمت في حدود ضرورة استرداد فيلسوف العرب كرمز خاصّة، رغم أنّ فلسفته قادرة على أن تساهم بشكل جدي في إنارة الكثير من قضايانا الرّاهنة في الميادين العمليّة رأسا مثل: الأخلاق والسياسة والتربيّة… وغيرها.
مصالح الأبدان والأنفس : أبو زيد البلخية
قدم أبو زيد البلخي مفاهيم الصحة العقلية والسلامة العقلية إلى علم النفس الإسلامي والتي ربطها في كثير من الأحيان بالصحة الروحية. كان أبو زيد البلخي أول من ناقش الأمراض المتعلقة بالجسد والروح بنجاح وذلك في كتابه «مصالح الأبدان والأنفس» (الحفاظ على الجسد والروح). وقد قام باستخدام مصطلح الطب الروحاني لوصف الصحة الروحية والنفسية ومصطلح طب القلب لوصف الطب النفسي. انتقد العديد من الأطباء في عصره لتركيزهم الشديد على الأمراض الجسدية وإهمال الاضطرابات العقلية أو النفسية لدى المرضى وقال إنه «بما أن الإنسان يتكون من روح وجسد فلا يمكن للوجود البشري أن يكون بصحة جيدة دون اشتباك الروح والجسد» وجادل أيضاً بأنه «إذا مرض الجسم فإن النفس تفقد جزءاً كبيراً من قدرتها المعرفية والإدراكية وتفشل في الاستمتاع بالجوانب المرغوبة في الحياة» وأنه «إذا مرضت النفس فقد لا يجد الجسم أية متعة أيضاً وقد يتطور في النهاية إلى مرض جسدي».
علم النفس الطبي والمعرفي والعلاج المعرفي:
كان أبو زيد البلخي أول من ميّز بين العصاب والذهان وأول من قام بتصنيف الاضطرابات النفسية والعلاج المعرفي الرائد من أجل علاج كل من هذه الاضطرابات المصنفة. صنّف العصاب إلى أربعة اضطرابات عاطفية: الخوف والقلق، الغضب والعدائية، الحزن والاكتئاب، والهوس. كما صنف الاكتئاب إلى ثلاثة أنواع: الاكتئاب الطبيعي أو الحزن، الاكتئاب داخلي المنشأ من داخل الجسم، الاكتئاب السريري الارتكاسي الناشئ خارج الجسم. كتب أيضاً أنه يجب على الفرد السليم الاحتفاظ دائماً بالمشاعر والأفكار الصحية في ذهنه في حال حدوث فورات عاطفية غير متوقعة بنفس الطريقة التي يتم بها إبقاء الأدوية وطب الإسعافات الأولية في مكان قريب لحالات الطوارئ الجسدية غير المتوقعة. وذكر أن التوازن بين العقل والجسم ضروري لصحة جيدة وأن الخلل بين الاثنين يمكن أن يسبب المرض. قدم البلخي أيضاً مفهوم التثبيط المتبادل «العلاج بالضد» الذي أعاد جوزيف وولب تقديمه بعد ألف عام في عام 1969.
الفيزيولوجيا النفسية والطب النفسي الجسدي:
كان الطبيب المسلم أبو زيد البلخي رائدًا في العلاج النفسي والفيزيولوجيا النفسية والطب النفسي الجسدي. لقد أدرك أن الجسم والروح يمكن أن يكونا أصحاء أو مضطربين أو «متوازنين أو غير متوازنين» وأن المرض العقلي يمكن أن يكون له أسباب نفسية و/أو فيزيولوجية. وكتب أن الخلل في الجسم يمكن أن يؤدي إلى الحمى والصداع وغيرها من الأمراض الجسدية في حين أن اختلال الروح يمكن أن يؤدي إلى الغضب والقلق والحزن والأعراض العقلية الأخرى. لقد أدرك نوعين من الاكتئاب: أحدهما ناتج عن أسباب معروفة مثل الخسارة أو الفشل والتي يمكن علاجها نفسياً من خلال كلتا الطريقتين الخارجيتين (مثل الكلام المقنع والوعظ والإرشاد) والطرق الداخلية (مثل «تطور الأفكار الداخلية والإدراك التي تساعد الشخص على التخلص من حالته الاكتئابية»)، والآخر ناتج عن أسباب غير معروفة مثل «محنة مفاجئة من الحزن والضيق والذي يستمر طوال الوقت ويمنع الشخص المصاب من أي نشاط جسدي أو إظهار أية سعادة والاستمتاع بأي من الملذات» والتي قد تسببها الاضطرابات الفيزيولوجية (مثل شوائب الدم) ويمكن علاجه من خلال الطب الجسدي. كما كتب أيضاً مقارنات ما بين الطب الجسدي والطب النفسي وأظهر كيف يمكن أن تحدث الاضطرابات النفسية الجسدية بسبب تفاعلات معينة بينها.
تعود أهمية هذا الكتاب (مصالح الأبدان والأنفس) لأبي زيد البلخي المتوفى سنة 322هـ إلى “ريادته” في تقديم استبصارات هامة في الطب النفساني في حقبة مبكرة، الأمر الذي جعل بعض المختصين النفسيين يصفه بأنه من رواد العلاج السلوكي-المعرفي. ويشهد الكتاب على تفوقه الزمني في هذا الحقل، كما في إبرازه للعلاقة الوثيقة بين الأعراض البدينة والجسمانية، وتقسيمه لأنواع الحزن/الاكتئاب، وتقريره لعلة الوسواس القهري، ودور الوراثة في الأعراض النفسانية، وغير ذلك، مما قد أشير إلى شيء منه في هذا العرض الموجز.
قسّم المؤلف رحمه الله كتابه إلى قسمين سماها بالمقالتين، (ولذا يعرف الكتاب بكتاب المقالتين، كما يذكر الصفدي في الوافي [6: 409]) المقالة الأولى في شأن الأبدان وفيها أربعة عشر بابًا، ويبدو أن معدّ الكتاب للنشر تعمد إهمالها للأسف، والمقالة الثانية فيما يتعلق بالأنفس، وتقع في ثمانية أبواب، ألمح فيما يلي إلى مضامينها على جهة الإجمال.
شرع المؤلف رحمه الله في الباب الأول (في الإخبار عن مبلغ الحاجة إلى تدبير مصالح الأنفس) بالإشارة إلى شيوع الاعتلالات النفسانية وأنها أكثر انتشارًا بين الناس، وقال:
«الأعراض التي تَعْرِض للبدن فتفسد صحته هي مثل الحُمّى والصداع، وسائر الأوجاع التي تعرض له في كل من أعضائه. والأعراض النفسانية هي مثل الغضب والغمّ والخوف والجزع وما أشبهها. وهذه الأعراض النفسانية هي ألزم للإنسان، وأكثر اعتراءً له من الأعراض البدنية؛ وذلك أن الأعراض البدنية قد يسلم الواحد بعد الواحد منها حتى لا يكاد يعرض له في أكثر أيام عمره منها أو من عامتها شيء.
وأما الأعراض النفسانية؛ فإن الإنسان مدفوع في أكثر أوقاته إلى ما يتأذى به منها، إذ ليس يخلو في كافة أحواله من استشعار غم أو غضب أو حزن وما شابهها من الأعراض النفسانية، إلا أنه ليس قدر ما يصل منها إلى كل واحد من الناس قدرًا واحدًا، فإنهم مختلفون فيما يحصل إليهم من هذه الأعراض».
ثم ينبّه في ملاحظة هامة إلى نمط البحث الطبي القديم، واختصاص عناية الطب القديم بطب البدن لا طب الأنفس: «على أن الكلام في هذا الباب أمر لم تجر عادة الأطباء بذكره، وإيقاعه في الكتب التي كانوا يؤلفونها في الطب ومصالح الأبدان ومعالجات العلل العارضة لها؛ وذلك لأن القول ليس هو من جنس صناعتهم، ولأن معالجة الأمراض النفسانية ليست من جنس ما يتعاطونه من الفصد، وسقي الأدوية، وما شابههما من وجوه المعالجات».
وقد جرت العادة -كما يقول- على تناول طب النفس في كتب “الحكماء” وأهل “الموعظة والتبصير” أي: المتصوفة، لا كتب الأطباء، ولذا يصرّح البلخي أنه لا يعلم أحدًا قال في «تدبير مصالح الأنفس قولًا مشروحًا وافيًا بقدر الحاجة».
وتصّور أبو زيد البلخي رحمه الله للطب النفساني يدور على محورين، (1) محور التذكير أو المساعدة العلاجية الخارجية، و (2) محور التأمل والتعقّل الذاتي، يقول:
«كما أن من حكم الأدواء الجسمانية أن تعالج بالأدوية الجسمانية، كذلك من حكم الأدواء النفسانية أن تتداوي بالأشفية النفسانية؛ إما من مواعظ وتذكيرات، وإما من فکر يروض بها الإنسان نفسه، ويجعلها سلاحا وعدّة لدفع آفات المخاوف والأحزان عن نفسه». وتقريره لاختصاص الأدوية المحسوسة باعتلالات البدن قد يستغرب لا سيما مع ما يذكره الأطباء من قديم من “الأغذية المفرحة” وغيرها، ومثله ما ورد في حديث التلبينة.
ويذكر رأيه في ضرورة البحث في طب النفس إلى جوار طب البدن لشدة التمازج بينهما: «… إضافة تدبير مصالح الأنفس إلى تدبير مصالح الأبدان أمر صواب، بل هو مما تمسّ الحاجة إليه، ويعظم الانتفاع [به]؛ لاشتباك أسباب الأبدان بأسباب الأنفس؛ فإن الإنسان إنما قوامه بنفسه وبدنه، وليس يتوهم له بقاء إلا باجتماعهما لتظهر منه الأفعال الإنسانية؛ فهما يشتركان في الأحداث النائبة، والآلام العارضة».
وهذا الاتصال الوثيق بين النفس والجسد يظهر بوضوح عند اعتلال هذا الأخير فـ«البدن إذا سقم وألم وعرضت له الأعراض المؤذية منع ذلك قوی النفس من الفهم والمعرفة وغيرها أن تفعل أفعالها على وجهها، ويتفرغ معها الإنسان للقيام بما يقلقها ويؤذيها، كان في ذلك ما يشغل الإنسان عن الاستمتاع باللذات البدنية، … بل ربما أداه تحامل الآلام النفسانية عليه إلى الأمراض البدنية»، فمن هنا تظهر الحاجة لبحث شؤون مداوة النفس لكل أحد لا سيما «من تغلب عليه الأعراض النفسانية المؤذية، إلى أن يعلم كيف جهة التدبير في مقابلتها بما ينفيها أو يقلل منها» كما يقول البلخي رحمه الله.
ومن الأساسات الجوهرية في تصور البلخي للمرض النفساني اعتقاده أن ما من مرض في البدن أو النفس إلا وله دواء، وهذا الاعتقاد يولّد في نفس الناظر والطبيب الحركة لاستخراج الأدوية وتوليد العلاجات، وهو ينعى على المريض الاستسلام والاعتقاد باستحالة المداواة، «بل الواجب عليه أن يوقن بأن الله تبارك وتعالى جعل لكل داء يعرض للأبدان والأنفس دواءً، ولكل ألم يحدث فيهما شفاءً»، وهذا الدواء لا يخلو من حالين «إما أن يزيله [أي المرض] بتمامه -جسمانيًا كان أو نفسانيًا- حتى يتخلص منه الإنسان، وإما أن يقلل من مكروهه وغائلته؛ فيكون ذلك التقليل إزالة لبعضه. وزوال البعض من الأشياء المكروهة خيرٌ من ثبات كلها وتركها أن تتمادی بصاحبها».
وكما أن البدن تُحفظ صحته بصونه عن الآفات الداخلة كالاعتدال في الغذاء والآفات الخارجة كالبرد، فكذلك النفس. وقد عقد الباب الثاني (في تدبير حفظ صحة الأنفس عليها) لشرح ذلك، فالنفس لا بد من صونها عن الأعراض الخارجة وهي الأشياء المقلقة أو المضجرة أو ما يجلب الغمّ ونحوه، وكذلك الأعراض الداخلة وهي الخطرات والوساوس الرديئة.
ولأجل تحقيق السلامة النفسية ينص البلخي على معنيين:
1- التدبر في حال الدنيا ولزوم النقص فيها، وأن يعود نفسه على احتمال صغار المكاره، حتى يحتمل ما هو أكبر منها، ويقرر ذلك في مقارنة معبّرة: «ويصير احتمال اليسير منها [يعني المشاق والمضجرات] سببًا لاحتمال ما هو أكثر وأعظم منه إذا ابتلي به، أو دفع إليه؛ فإن هذه هي السبيل في رياضة الأبدان، وهي السبيل في رياضة الأنفس».
2- معرفة النفس، ودرجة تحملها، بحيث يسلك في شؤونه ما يناسب حاله، قوةً وضعفًا.
ويبحث في الباب الثالث (تدبير اعادة صحة النفس إذا فقدت إليها) أهمية المعالج لاعتلال النفس، وذلك لسببين، أحدهما ظاهر وهو أن غلبة الاعتلال النفساني تفقد المريض القدرة على الإمساك بزمام نفسه، فيحتاج إلى من يقوم بحاله، والثاني –وهو معنىً لطيف- «أن الإنسان يقبل من غيره أكثر مما يقبل من نفسه؛ وذلك أن رأيه في كل الأحوال مغلوب بهواه وأحدهما ممتزج بالآخر».
وهو يؤكد أن ذلك لا يعني الاستغناء عن معالجته نفسه من داخل، بالتعقّل والتأمل والتذكير الذاتي.
ثم عقد الباب الرابع وسماه (في ذكر الأعراض النفسانية وتعدیدها)، وفيه سرد للأعراض، فبدأ بالغمّ وقال أنه مقدمة لجميع الأعراض الأخرى، وكذلك الغضب، والفزع (وهو الخوف المفرط)، والجزع، والوساوس.
وقدّم الحديث عن الغضب لكثرة وقوعه للإنسان، وعقد لمداواته بابًا هو الباب الخامس (في تدبير صرف الغضب وقمعه)، وذكر عدة أساليب لمواجهة الغضب منها ما هو خارجي كاتخاذ الخاصة ممن يعينه ويذكره وينبهه، وداخلي كالفكر في العواقب، ومطالعة فضيلة الحلم، والتخوف من الانتقام، وغير ذلك.
وفي الباب السادس يعالج (تسکین الخوف والفزع) وفيه ما يمكن أن يدخل في مصطلح “الرهاب” باللغة المعاصرة، وذكر في هذا الباب تأملات جيدة تفيد المبتلى بذلك، وتعينه على تقوية قلبه ودفع ما يقلقه.
وفي الباب السابع (في تدبير دفع الحزن والجزع) يرى المؤلف أن الحزن والخوف «هما أقوى الأعراض النفسانية فإذا اجتمعا على الإنسان لم يبقيا له لذة حياة ولا طيب عيش». ثم يقسم الحزن إلى قسمين:
1- ما يكون معروف السبب؛ كالحزن من فقد محبوب من أهل أو مال.
2- مجهول السبب، «وهو غمّة يجدها الإنسان على قلبه في عامة الأوقات تمنعه من النشاط وإظهار السرور، وصدق الاستمتاع بشيء من اللذات والشهوات من غير أن يعرف لذلك الفتور والانكسار اللذين يجدهما شيئًا يخيل بهما عليه».
ويرى أن سبب ذلك الحزن المجهول «يرجع إلى الأعراض البدنية. وتولده إنما يكون من قلة صفاء الدم، ومن برده وتغيره».
ثم أفاض فيما يسميه “أبواب من الفكر يروض بها الإنسان نفسه ويجعلها سلاحًا” وجملتها تتعلق بتدبرات في النفس والعالم تقوي الذات على دفع العوارض.
ثم خصص الباب الثامن للخواطر الرديئة وعنونه بـ(في الاحتيال لدفع وساوس الصدر وأحاديث النفس) فهذه الخواطر من أقوى العوارض النفسانية «تأثيرًا في الإنسان، وأكثرها إيذاءً له» وإن كانت ليست مثل الحزن والغم والغضب في تسلطها على معظم النفوس. وأشار لكون هذا العارض قد يولد مع الإنسان، كما يقع بسبب بعض الأخلاط، ثم أخذ في ذكر تأثير الأمزجة والمرة السوداء والرطوبة و…الخ مما يذكر في كتب الطب القديم.
ويجعل من جملة الوساوس ما يتعلق بالكوابيس أو الأحلام المزعجة، وكذلك ما يقع لبعض الناس من أحلام اليقظة، ثم ينتقل البلخي إلى مداوة عارض الخواطر ووساوس النفس، ويوصي :
(1) بتجنب الوحدة والانفراد؛ «لأن من شأن الوحدة أن تهيّج على الإنسان الفكر وأحاديث النفس؛ لأن قوی نفس الإنسان لابد من أن تعمل عملها إما من داخل، وإما من خارج.
فأما عملها من خارج؛ فالاشتغال من الإنسان بلقاء الناس ومخاطبتهم ومفاوضتهم، وما تلزم الحاجة إليه من أبواب النطق.
وأما عملها من داخل؛ فبالإقبال منه على الفكر في الأشياء التي تخطر في نفسه، وتهجس على ضميره.
فإذا لم يكن لها عمل من خارج فلا بد لها من الاشتغال بالفكر لا سيما إذا كانت النفس ذكية، رقيقة الطبع».
و (2) تجنب الفراغ؛ «فإنه نظير الوحدة في مضاعفته على صاحب هذا العرض التأذي بالفكر، وإثارة ما يثيره عليه منها. وذلك أنه لابد للإنسان من أمر يشتغل به، ويقطع أيامه به. فمتى لم يكن له شغلٌ من خارج مالت نفسه إلى الاشتغال بشيء من داخل وهو التفكير. فمن شأن صاحب هذا العرض أن يرجع عند فراغه بفكره إلى الخواطر التي تتأذى بها».
كما يوصي (3) بـمحادثة من يثق به من صحابته، والإفصاح له عن ما يدور في خاطره؛ وذلك ليبين له أصحابه بطلان ما تحدّثه به نفسه من الفكر الرديئة، «فإنه يجد بذلك من النفع في قمع تلك الخواطر ما يجده صاحب المرض الجسماني من استراحته إلى من يقاومه من الأطباء مما عنده فيهوّنه عليه، ويمنيه تعقب السلامة والعافية منه
عوامل بيولوجية كيميائية داخلية :
أما بالنسبة للوسواس القهري فتتوافق المعايير الوصفية لـ “لبلخي” مع الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات النفسية، الذي هو بمنزلة الكتاب السماوي للمرض النفسي. ويصف الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات النفسية الوسواس القهري: “الهجوم والدفعات المتوالية والمتكرِّرة للأفكار أو النزوات أو الصور، والتي تؤدِّي إلى شعورٍ ملحوظٍ بالقلق أو بالكرب”. وهو تشخيصٌ مشابه إلى حدٍ كبيرٍ لوصف “البلخي” إذ وصفه بأنه أفكارٍ مزعجة وغير حقيقية تُعيق الإنسان من الاستمتاع بحياته وممارسة أنشطته اليومية. وتؤثر في التركيز وتمنعه القدرة على القيام بالمهام المختلفة، فتُسيطر عليه المخاوف في أي وقتٍ.” وهناك جوانب مشتركة جليِّة بين النصين في وصف محاولات المرضى لقمع الوساوس غير المرغوب فيها. وذُكِر في الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات النفسية محاولاتهم لـ ” تجاهل وقمع مثل هذه الأفكار والرغبات والصور.” بينما تحدث “البلخي” عن: “عدم قدرته على استخدام قواه العقلية للتعامل مع أي شيءٍ آخر، لانشغاله الشديد بالخطر المحدق في خيالاته فلا يتمكن من الاستمتاع أو التركيز على ما يُقال له أو على الاندماج مع الآخرين. وكلما حاول أن يتجاهل ذلك ويندمج اجتماعيًّا تنطلق الأفكار المزعجة لتتحكم في عقله.
تعتبر أعمال “البلخي” وبدون شك سابقة لعهده بقرون (إن لم يكن بألفية كاملة). بدءًا من التفريق بين أنواع الاكتئاب، إلى الاعتراف بحتمية التعرض للوسواس القهري ليثبت “البلخي” أن لديه نظرة ثاقبة بشكلٍ مبهرٍ لعلم النفس. وسيلاحظ قرَّائه بسهولة أنه يحقق توازنًا بين الروح والمادة حتى يمكن القول: إنه توازنٌ لم يكن معهودًا في عصره، وبدلًا من تفسير كل شيءٍ بالكلمات مثل: الشيطان، والجن، والذنوب، اعتمد على اللغة النفسية لشرح الظاهرة النفسية دون غض الطرف التام عن المجهول. ويبدو أن هذا التوازن تفلَّت من علماء النفس المعاصرين فانجرف مع محاولاتهم لتحقيق الدقة العلمية حيث كانوا يرفضون تمامًا المواضيع الروحية والمعنوية. قد يحوى كتاب “البلخي” على بعض الكلمات والأفكار لن يقبلها القارئ المعاصر بالضرورة، يجب أن تقرأ النص مع أخذ سياقه في الاعتبار. ربما الدرس الأكثر أهمية الذي يأخذه المسلم المعاصر -المؤمن بعلم النفس وغير المؤمن به – من كتاب “البلخي” هو أن الصلة التي أنشأها بين العلم الديني وبين ما نُطْلق عليه نحن الآن العلوم الدنيوية، والسعي الحثيث نحو كليهما أخرج لنا محتوىً يقارب بينهما، وهو ما يراه الكثيرون اليوم أمرًا مستحيلًا بسبب الازدواجية الزائفة بين الدين والعلم.
مداواة النفس: أبو الحارث المحاسبي
كيف يعرف الانسان سلامته من الآفات؟
قلت ارى من الناس أشياء يعاب مثلها واحب ان أسلم من التعبير والازدراء والعيب فلا أدرى اسلمت منه نفسي أم لا
فقال إن الانسان عند معرفة عيب نفسه أبله وعند معرفة عيب غيره جهبيذ فيحتقر عيب اهل كل صناعة وأهل كل عمل من اعمال الدنيا والاخرة ويحتقر عيب من هو في مثل مرتبته ويستعظم ذلك من كل من رآه منه فإذا اتى على عيب نفسه جازه الى عيوبهم كأنه أعمى عنه لم يره وهو يطلب العذر لنفسه ولا يطلبه لغيره فهو في طلب عذرها جهبيذ وفي طلب عذر غيرها ابله وهو يضمر عند ذلك لصاحبه ما يكره أن يضمر له غيره لو رأى منه مثل ذلك العيب فإذا رأيت عيبا أو زلة أو عثرة من غيرك فاجعل نفسك مكانه ثم انظر الذي كنت تحب ان يستقبلك به لو رأى منك مثل الذي رأيت منه وأضمر ذلك له في نفسك فإنه يحب منك مثل ما كنت تحبه منه وهكذا إذا رأيت ما يستحسن فأردت ان تعرف علم السلامة من الحسد له وبالحري أن يكون أخف الناس عليك عند الزلة من يطلب لزلتك عذرا ومخرجا فإذا لم يجد للعذر موضعا ساءه ذلك وأخفى مكانه وعند حسنتك يسر فإن لم يسر لم تسؤه فهكذا فكن لهم عند الزلة وعند الحسنة فإذا كنت كذلك فلا تحب إزالة نعمة أنعمها الله على أحد في دين ولا في دنيا ولا تحب أن يقيم أحد على معصية الله تعالى ولا تحب ان يهلك ستره عند زلته فإنك إذا فعلت ذلك بقلبك زال عن قلبك الحسد عن الدين والدنيا جميعا ومتى غلبت عليك المسابقة الى ضميرك بسوء المحضر فلا تغلبن على مشاهدته بحسن المراجعة من جميع أمورك.
علم السلامة بالمراجعة والتفتيش:
وأعلم أنك مسبوق الى ضميرك بالحسد وسوء الظن والحقد فاجعل المراجعة شغلا لازما وكن وقافا كما قال الاول المؤمن وقاف وليس كحاطب ليل فقف وطالع زوايا ضميرك بعين حديدة النظر نافذه البصر فإذا رأيت أمرا محمودا فاحمد الله وامض وإذا رأيت مكروها داركته بحسن المراجعة واستقصيت فيه فإن الذي دخل بيتك ولم يستأذنك سوف يختبئ فيه وإن كان مظلما فأنت لا تشعر إلا أن يكون معك سراج من العلم مضئ واضح ويكون معك من العناية بأخذه والإنكار لما دخل فيه ما لا صبر له عليه ولا طاقة له به ولو قد جربت لعرفت ان الذي أقول لك كما أقول يدخل داخل منزلك بغير إذنك وهو داخل لا يؤمن أن يخرب المدخول عليه فإن رأى الداخل منك توانيا وتهاونا كان هو المقيم بالمنزل المدبر له فاستولى على حر بيتك وعلى حرمتك وإن رأى منك إنكارا فيه ضعف اختفى لك ليمس سهوتك وغفلتك فإذا وجد فرصة خرب عليك ما كنت اصلحت وهدم ما بنيت فافهم إن كنت تفهم واقبل النصح من الناصحين إن كنت تقبل فلو رحلت فيما اخذت المطايا فبلغت حيث تبلغ من البعد وأنفقت في سبيل ذلك حر بيتك كان الذي أخذت اكثر من الذي انفقت وتعبت فإنك تجد الخير الكثير في ميزانك يوم القيامة بصدق المراجعة ومبادرتها قبل أن تبرد عنك حلاوتها فإنها موهبة عظيمة من مواهب الله تعالى اكرم بها اهل خاصته وعظم النعمة عليهم فيها فإن عظم النعمة على قدر الحاجة فانظر هل راجعت نفسك وامرك الا وقد وجدت فيه موضع مرمة ومصلحة او وجدت مفسودا بعينه فلو لم تلحقه بالمراجعة لكان ذاهبا الى يوم القيامة.
أدب النفس عند الحكيم الترمذي
ولقد امتلأت أخبار الزهاد والمتصوفة والعُبّاد بأخبارهم ورؤاهم حول النفس، ولدينا أحد هؤلاء الحكماء الذين بدأوا في إفراد الحديث عن النفس الإنسانية من منظور إسلامي تأملي، وهو الحكيم محمد بن علي الترمذي (ت 320هـ/932م ) والذي عاش معظم حياته في القرن الثالث الهجري، فقد ألّفَ الترمذيُّ عدة كتب حول النفس منها "رياضة النفس"، و"أدب النفس"، وهو كتاب تناول فيه رياضة النفس، وقضية اليقين، وصفة القلوب، والهوى، وعواقب الهوى.
يرى الترمذي أن علاج النفوس، مثل الاكتئاب يكمن في أن يكون القلب عامرا بالإيمان، يقول: "فمن نوّر الله قلبه بالإيمان قويت معرفته، واستنارت بنور اليقين، فاستقام به قلبُه، واطمأنت به نفسه، وسكنت ووثقت وأيقنت، وأْتمنته على نفسها، فرضيت لها به وكيلاً، وتركت التدبير عليه". أما الخوف من الغد والمستقبل، وهو خوف غريزي موروث بتوارث الأجيال، وهو ما يسميه الترمذي "وسوسة"، فالعلاج واضح أيضا؛ "فإن وسوس له عدوّ بالرزق والمعايش، لم يضطرب قلبه ولم يتحير؛ لأنه قد عرف ربه معرفة أنه قريب، وأنه لا يغفل ولا ينسى، وأنه رءوف رحيم، وأنه رب غفور رحيم، وأنه عدل".
إننا نرى في تأملات الترمذي رجلا خبيرا بمعرفة خبايا النفس، وهو مع ذلك يشرح لنا هذه النفس وفقا لمفاهيم عصره، فالعناصر الأربعة التي تكوّن الإنسان- وفقا لفلاسفة اليونان والتي راجت في عصر الترمذي – هي الماء والتراب والهواء والنار، ولكل منها خاصية بدنية وخاصية نفسية، فنفس الإنسان وهواه إنما تكون تبعا للتراب؛ لأنها من الأراض وإليها تهوى، لذلك سمي "الهوى" ولهذا عواقب، حيث يقول: "سُمي هوى، لأنه تهوى به النفس، والنفس تهوى بالقلب، والقلب يهوى بالأركان إلى العقل، والعقل يهوى بجميع الجسد غدا إلى النار، فمن ههنا هواك يميل بك إلى نعيم الأرض، لأنه من جنسه، وإليه يحنّ، وله يألف، فهذه النفس مضطربة إذا حملت عليها أمر الله تعالى، كذلك الأرض لما حمل عليها الخلق".
على أن علاج النفس لدى الترمذي إنما يتمحور حول المعرفة؛ فـ" النفس، إذا اضطربت فإنما تسكن بالمعرفة، فكلما كانت معرفتك أعظم وأثقل على القلب، كانت النفس أسكن".
خاتمة:
في الختام، يتبين لنا أن النفس البشرية تظل المحور الأساسي لوجود الإنسان وعافيته، وأن السعي نحو الصحة النفسية هو رحلة متجذرة في التاريخ بقدر ما هي ضرورة ملحة في عصرنا. لقد أوضح هذا المقال أن مفهوم السلامة النفسية يتجاوز الخلو من الاضطرابات؛ ليشمل حالة متكاملة من التوازن العاطفي والروحي، وهو ما أدركه الرواد الأوائل كأبي زيد البلخي والترمذي الذي ربط بين استنارة القلب بالإيمان وعلاج الاكتئاب والقلق.
إن الطريق إلى السكينة والطمأنينة النفسية يتطلب مقاربة شمولية تجمع بين حكمة الأجداد، التي تؤكد على العلاقة الوثيقة بين الجسد والروح، وبين الأدوات الحديثة والمعاصرة التي تقدم وسائل مبتكرة للدعم والعلاج (كالعلاج بالقراءة). لذا، يجب علينا أن نتبنى نظرة متكاملة تُعنى بتهذيب النفس وتغذيتها، إيماناً وعلماً، لتحقيق ذلك التوازن المنشود الذي يضمن للإنسان اكتمال وجوده وقدرته على التفاعل الإيجابي والمطمئن مع تحديات الحياة. فسلامة القلب واستقامة النفس هي الغاية القصوى التي بها تستنير المعرفة وتتحقق العافية الحقيقية.

0 تعليقات