تتشرف مجلة ظلال الفكرة بتقديم حوار صحفي مع الكاتبة إيمان بلاح، ابنة الأدب العربي التي استطاعت أن تصنع لنفسها صوتاً إبداعياً يجمع بين رصانة الدراسة وعمق التجربة الإنسانية. نسلط الضوء في هذا اللقاء على مسيرتها الأدبية وإصداراتها القادمة.
• تعريف الكاتبة إيمان بلاح
- الجنسية: جزائرية
- التخصص: الأدب العربي
- المؤهل العلمي: شهادة الليسانس في الأدب العربي، شهادة الماستر في الأدب العربي
- الهوية الأدبية: كاتبة تهتم بكتابة الخواطر والنصوص النثرية، تميل في تجربتها إلى استكشاف المشاعر الإنسانية، التحولات النفسية، وأسئلة الذات والحياة، بأسلوب لغوي شفاف يجمع بين العمق والبساطة.
- الإنتاج الأدبي:
- شظايا القلب – كتاب نثري، صدر عام 2023 (أثناء الدراسة الجامعية).
- جغرافيا الخذلان – كتاب قيد الصدور.
- ألوان الحياة – كتاب قيد الصدور. - الاهتمامات: الكتابة الأدبية والنثر الحديث، القراءة في الأدب والفكر، الرياضة (مع اهتمام خاص بكرة السلة).
- الطموح الأدبي: تسعى إلى تطوير مشروعها الكتابي في مجال النثر الأدبي، وبناء صوت إبداعي يعبر عن الإنسان المعاصر، مع الانفتاح على النشر والمشاركة في الفعاليات الثقافية والأدبية.
المحور الأول: البدايات والشغف
1. جئتِ من خلفية أكاديمية متخصصة (ليسانس وماستر في الأدب العربي)؛ كيف ساعدت الدراسة الأكاديمية في صقل "إيمان الكاتبة"؟
ساعدتني الدراسة الأكاديمية في الأدب العربي على صقل موهبتي الكتابية وتحويلها من إحساس عفوي إلى وعي إبداعي ناضج، فكانت بالنسبة لي أكثر من مجرد شهادة علمية، بل تجربة شكّلت رؤيتي للكتابة ولنفسي ككاتبة. عمّقت علاقتي باللغة من خلال دراستي، تعلّمت أن اللغة ليست وسيلة تعبير فقط، بل روح وهوية. أصبحت أكثر وعيًا بقيمة الكلمة، وبقدرتي على توظيفها بدقة لتجسيد المشاعر والأفكار، فصارت لغتي أكثر نضجًا وصدقًا، وأقرب إلى نفسي وإلى القارئ.
وهل يقيّد التخصص الأكاديمي أحياناً عفوية النص النثري؟
- لا يقيد التخصص الأكاديمي عفويتي.
2. صدر لكِ "شظايا القلب" وأنتِ لا تزالين على مقاعد الدراسة الجامعية عام 2023؛ ما هو الشعور الذي راودكِ حين رأيتِ اسمكِ على غلاف كتابكِ الأول في ذلك الوقت؟
- شعور بسعادة وأنني حققت إنجازا ولو بسيط .
المحور الثاني: الهوية الأدبية والأسلوب
3. تميلين في كتاباتك إلى استكشاف "المشاعر الإنسانية والتحولات النفسية"؛ لماذا اخترتِ الغوص في الداخل الإنساني بدلاً من الانشغال بالقضايا الخارجية؟
أميل في كتاباتي إلى استكشاف المشاعر الإنسانية والتحولات النفسية لأنني أؤمن أن الداخل الإنساني هو المنبع الأول لكل ما يحدث في الخارج. القضايا الخارجية، مهما بدت صاخبة ومباشرة، هي في جوهرها انعكاس لصراعات داخلية غير مرئية؛ خوف، فقد، خيبة، أو بحث دائم عن معنى.
اخترت الغوص في الداخل لأنني أرى أن الإنسان لا يُهزم بالأحداث وحدها، بل بطريقة استقباله لها. ما يكسّرنا حقًا ليس الواقع، بل ما يتركه الواقع في نفوسنا. لذلك وجدت نفسي أقرب إلى تتبّع اللحظة النفسية، والانكسار الصامت، والتحوّل الخفي الذي يغيّر الإنسان من الداخل دون أن يلاحظه أحد.
كما أن الكتابة عن الداخل تمنحني صدقًا أكبر. هناك أستطيع أن أكتب بلا أقنعة، وأن أقترب من الإنسان في هشاشته وضعفه وقوته معًا. في الداخل تتشابه الأرواح مهما اختلفت الأمكنة والظروف، وهناك يلتقي القارئ بذاته، لا بشعارات أو مواقف جاهزة.
لا يعني هذا أنني أتجاهل القضايا الخارجية، بل أتعامل معها من زاوية إنسانية نفسية. أفضّل أن أكتب عن أثر القضايا في النفس، عن الإنسان وهو يحاول النجاة، لا عن الحدث في حد ذاته. لأنني أؤمن أن تغيير العالم يبدأ من فهم الإنسان لنفسه، وأن إصلاح الداخل هو الخطوة الأولى لأي تحوّل حقيقي في الخارج.
4. تُوصف لغتكِ بأنها "تجمع بين العمق والبساطة"؛ كيف تحققين هذه المعادلة الصعبة في زمنٍ يميل فيه البعض إلى الغموض المفرط أو السطحية؟
أحاول في كتابتي أن أؤمن بأن العمق لا يعني التعقيد، وأن البساطة لا تعني السطحية. هذه القناعة هي ما يقودني في البحث عن لغة تصل إلى القارئ دون أن تُرهقه، وتغوص في المعنى دون أن تتعالى عليه.
أحقق هذه المعادلة بالإنصات أولًا لما أريد قوله قبل التفكير في كيف يُقال. عندما تكون الفكرة واضحة في داخلي، تأتي اللغة تلقائيًا أكثر صفاءً. أنا لا أكتب لأُبهر القارئ بتراكيب معقدة أو غموض مفتعل، بل لألمسه من الداخل. لذلك أختار الكلمات القادرة على حمل المعنى بأقل ضجيج لغوي.
كما أحرص على أن تكون لغتي صادقة. الصدق في الكتابة يفرض بساطته الخاصة، لأن المشاعر الحقيقية لا تحتاج إلى تزويق مفرط كي تُفهم. وفي الوقت نفسه، العمق يأتي من التجربة والتأمل، لا من كثرة الاستعارات أو تشابك الجمل.
في زمن يميل فيه البعض إلى الغموض بحثًا عن الاختلاف، أو إلى السطحية بحثًا عن الانتشار، أجد توازني في احترام عقل القارئ وقلبه معًا. أكتب بلغة تسمح له أن يفهم من القراءة الأولى، وأن يكتشف أبعادًا أعمق عند القراءة الثانية. تلك المساحة الوسطى بين الوضوح والتأمل هي ما أسعى إليه، وهي ما يمنح نصوصي هويتها الخاصة.
المحور الثالث: جغرافيا الأعمال الجديدة
5. "جغرافيا الخذلان".. عنوان يثير التساؤل؛ هل الخذلان بالنسبة لإيمان له تضاريس وحدود؟ وما الذي يختلف في هذا الكتاب عما قدمتِه في "شظايا القلب"؟
نعم، الخذلان بالنسبة لي ليس شعورًا عابرًا أو لحظة انكسار مؤقتة، بل جغرافيا كاملة لها تضاريسها وحدودها ومساراتها الخفية. هو مساحة نفسية ننتقل فيها من الثقة إلى الشك، ومن الطمأنينة إلى التيه، ومن الامتلاء إلى الفراغ. اخترت عنوان «جغرافيا الخذلان» لأنني أؤمن أن الخذلان لا يحدث دفعة واحدة، بل يُسافر فينا، يترك أثره في كل زاوية من الروح، ويعيد رسم خرائطنا الداخلية.
في هذا الكتاب، حاولت أن أتعامل مع الخذلان بوصفه تجربة واعية، لا مجرد وجع. أردت أن أقرأه، أن أفهم حدوده: أين يبدأ؟ متى يتحول إلى قسوة؟ ومتى يصبح درسًا أو نقطة تحوّل؟ لذلك جاء النص أكثر هدوءًا وتأملًا، أقل انفعالًا وأكثر وعيًا بما يتركه الخذلان في النفس على المدى البعيد.
أما «شظايا القلب»، فهو كتاب كُتب من قلب التجربة نفسها، من لحظة التكسّر الأولى. كان أكثر عاطفية، وأكثر اقترابًا من الألم الخام، من ردّة الفعل الأولى تجاه الفقد والانكسار. هناك كنت أكتب لأتخفف، لأبوح، لأجمع شظاياي.
الاختلاف بين الكتابين يشبه الفرق بين من ينزف، ومن يتأمل أثر الجرح بعد أن توقف النزيف.
«شظايا القلب» هو صوت القلب وهو يتألم، أما «جغرافيا الخذلان» فهو صوت الوعي وهو يحاول الفهم.
في هذا العمل الجديد، لم أعد أبحث فقط عن التعبير عن الألم، بل عن معناه، وعن الكيفية التي يُعيد بها الخذلان تشكيلنا، وربما… إنضاجنا.
6. في المقابل، ننتظر صدور "ألوان الحياة"؛ هل نعتبر هذا العمل تمرداً على نبرة الحزن أو "شظايا" البدايات؟ وما هي الألوان التي تحاولين رسمها بالكلمات؟
يمكن اعتبار «ألوان الحياة» تمردًا هادئًا، لا على الحزن في حدّ ذاته، بل على الارتهان له. لم أرد أن أقطع مع نبرة الألم التي شكّلت بداياتي في «شظايا القلب»، لأن تلك المرحلة كانت صادقة وضرورية، لكنها لم تعد تمثلني كاملة. هذا العمل هو إعلان تصالح مع الحياة بكل ما تحمله، لا بوجهها الجارح فقط.
في «ألوان الحياة» لا أنكر الحزن، لكنه لم يعد اللون الطاغي. أصبح لونًا بين ألوان أخرى، له حضوره وحدوده، دون أن يبتلع المشهد كله. أردت أن أكتب من موقع الإنسان الذي تعلّم أن يرى الجمال حتى وهو مثقل بالتجربة، وأن يعترف بأن الشفاء لا يعني النسيان، بل القدرة على العيش رغم الذاكرة.
أما الألوان التي أحاول رسمها بالكلمات، فهي متعددة ومتداخلة:
لون الأمل الذي يولد في أكثر اللحظات هشاشة.
لون الفرح الخجول الذي يأتي دون ضجيج، لكنه صادق.
لون الحزن الناضج؛ حزن لا يصرخ، بل يفهم.
لون القوة التي تنشأ من التجربة لا من الانتصار.
ولون السلام الداخلي الذي نصل إليه بعد صراع طويل مع الذات.
هذا العمل ليس قطيعة مع «شظايا القلب»، بل امتداد لها، لكن من زاوية أكثر اتساعًا ونضجًا. إذا كانت الشظايا تمثل البدايات المنكسرة، فإن «ألوان الحياة» هو محاولة جمع تلك الشظايا في لوحة واحدة، لا تخلو من الندوب، لكنها قادرة على الحياة.
المحور الرابع: الرياضة والكتابة (الجانب الإنساني)
7. كيف توازن إيمان بين انطوائية الكتابة وهدوئها، وبين حيوية الرياضة وضجيج الملاعب؟
أوازن بين انطوائية الكتابة وحيوية الرياضة لأنني أؤمن أنني أحتاج الاثنين معًا كي أكون متزنة. الكتابة تسكنني، والرياضة تُخرجني من ثقل الأفكار؛ واحدة تأخذني إلى الداخل، والأخرى تعيدني إلى الجسد والحياة.
في الكتابة، أكون أكثر هدوءًا وتأملًا، أختلي بنفسي، أستمع لصوتي الداخلي، وأعيد ترتيب فوضاي النفسية بالكلمات. هي مساحة الصمت التي أفهم فيها ذاتي، وأصالح أسئلتي، وأمنح مشاعري شكلًا يمكن احتماله.
أما الرياضة، وخصوصًا كرة السلة، فهي الضفة الأخرى من روحي. هناك أتحرر من الانغلاق، أتحرك، أتنفس، وأفرغ التوتر بطريقة جسدية صادقة. ضجيج الملاعب لا يناقض هدوء الكتابة، بل يكمّله؛ فهو يعلّمني الانضباط، العمل الجماعي، والقدرة على النهوض بعد السقوط، وهي قيم أعود بها لاحقًا إلى نصوصي.
هذا التوازن يجعلني أكثر صدقًا ككاتبة. لو بقيت حبيسة الانطواء فقط، لاختنقت بالكلمات، ولو اكتفيت بالحركة دون تأمل، لفقدت العمق. بين الصمت والضجيج، بين الصفحة البيضاء والملعب، أجد نفسي كاملة، وأجد المساحة التي تسمح لي بأن أكتب… وأعيش في الوقت نفسه.
المحور الخامس: الطموح والرؤية المستقبلية
8. تسعين لبناء صوت إبداعي يعبر عن "الإنسان المعاصر"؛ برأيكِ، ما الذي يحتاجه الإنسان اليوم من الأدب في ظل سيطرة التكنولوجيا وسرعة الحياة؟
أرى أن الإنسان المعاصر، في ظل هيمنة التكنولوجيا وتسارع الإيقاع اليومي، يحتاج من الأدب قبل أي شيء أن يُعيده إلى نفسه. في عالم يزداد فيه الضجيج الخارجي، يصبح الأدب مساحة إنصات، وملاذًا هادئًا يذكّر الإنسان بأنه ليس آلة إنتاج ولا رقمًا في شاشة، بل كائن يشعر ويتألم ويبحث عن معنى.
يحتاج الإنسان اليوم إلى أدب يُبطئ الزمن. أدب يمنحه لحظة توقف وسط هذا الركض المستمر، لحظة يتأمل فيها مشاعره التي غالبًا ما يؤجلها أو يتجاهلها. التكنولوجيا قرّبت المسافات، لكنها أحيانًا عمّقت العزلة، وهنا يأتي دور الأدب ليعيد ترميم العلاقة بين الإنسان وذاته، وبينه وبين الآخر.
كما يحتاج إلى أدب صادق لا متعالٍ؛ نصوص تشبهه، تعبّر عن قلقه، هشاشته، وحدته، وأسئلته الوجودية، دون خطابية أو ادّعاء. الإنسان المعاصر لم يعد يبحث عن بطولات مثالية، بل عن مرآة يرى فيها ضعفه الإنساني مشروعًا ومفهومًا.
وأؤمن أيضًا أن الأدب اليوم مطالب بأن يكون إنسانيًا أكثر من كونه استعراضيًا. لا يحتاج القارئ إلى بهرجة لغوية بقدر حاجته إلى معنى، ولا إلى غموض مفتعل بقدر حاجته إلى نص يشعره بأنه غير وحيد في هذا العالم المتسارع.
من هذا المنطلق، أسعى إلى بناء صوت إبداعي يلامس الإنسان حيث هو الآن: متعبًا، مشوشًا، لكنه ما يزال قادرًا على الحلم. أدب يذكّره بأن البطء ليس ضعفًا، وأن التأمل مقاومة، وأن الكلمة الصادقة ما زالت قادرة على أن تنقذه… ولو قليلًا.
9. بصفتكِ كاتبة جزائرية شابة، كيف ترين المشهد الأدبي الحالي في الجزائر؟ وهل تعتقدين أن النص النثري (الخواطر) أخذ حقه في النقد والنشر؟
بصفتي كاتبة جزائرية شابة أرى المشهد الأدبي في الجزائر اليوم مشهدًا حيويًا ومتنوعًا، لكنه في طور التشكّل والنمو، لا سيما بالنظر إلى التحوّلات الثقافية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع. هناك أقلام جديدة تثرّي المشهد في رواية، وقصة قصيرة، وشعر، وحتى في النص النثري والخواطر، وقد بدأوا يفرضون رؤاهم وأصواتهم الخاصة رغم بعض التحديات التي لا تزال قائمة.
رأيي ككاتبة جزائرية شابة: المشهد الأدبي في الجزائر واعد ومليء بالحيوية، وهناك اهتمام متصاعد بالأصوات الجديدة. لكن نصوص مثل الخواطر ما تزال تحتاج إلى مزيد من الاعتراف النقدي والمنهجي لتثبت أهميتها في الأدب المعاصر، وأن يُنظر إليها كنوع إبداعي يستحق أن يُدرس، يُنقد، ويُحتفى به كما هو الحال مع الرواية والشعر.
المحور السادس: أسئلة قصيرة وسريعة
10. ما هو الكتاب الذي غير نظرة إيمان للحياة؟
كتاب مهم في الساحة الأدبية غيّر نظرتي للحياة هو «الغريب» لألبير كامو.
هذا العمل هزّني لأنه واجهني بسؤال المعنى بلا تجميل. جعلني أدرك أن الإنسان قد يبدو غريبًا لا عن العالم فقط، بل عن نفسه أيضًا، وأن اللامبالاة ليست دائمًا قسوة، بل أحيانًا نتيجة صدمة عميقة أو عجز عن التكيّف مع عالم لا يرحم الحساسية الزائدة. بعد قراءة «الغريب» تغيّرت نظرتي إلى مفاهيم مثل الحكم، الذنب، والاختلاف. فهمت أن المجتمع كثيرًا ما يُدين من لا يشبهه، وأن الصدق مع الذات قد يكون مكلفًا، لكنه أكثر نقاءً. هذا الوعي انعكس على كتابتي، فصرت أكثر جرأة في الاقتراب من المناطق الرمادية في النفس الإنسانية، وأكثر اهتمامًا بالإنسان المعاصر وهو يواجه عبث الحياة وأسئلتها.
11. الكتابة بالنسبة لكِ: هل هي "هروب من الواقع" أم "مواجهة له"؟
الكتابة بالنسبة لي ليست هروبًا من الواقع، بل طريقة مختلفة لمواجهته. قد تبدو من الخارج ملاذًا هادئًا أو مساحة انسحاب، لكنها في حقيقتها فعل شجاعة؛ لأنني أواجه فيها ما أتجنّبه في الحياة اليومية: الأسئلة المؤلمة، المشاعر المؤجلة، والحقائق التي لا أملك دائمًا الجرأة على قولها بصوتٍ عالٍ.
بالكتابة، أقترب من الواقع بدل أن أهرب منه، لكنني أقترب ببطء ووعي. أُفكك ما يحدث حولي وداخلي، أضعه تحت الضوء، وأحاول فهمه بدل إنكاره. هي مواجهة بلا عنف، ومصارحة بلا أقنعة، تسمح لي أن أرى الواقع كما هو، لا كما يُفرض عليّ أن أراه.
في الوقت نفسه، تمنحني الكتابة مسافة أمان؛ لا لأتخفّى، بل لأتأمل. وهذه المسافة هي ما يجعل المواجهة ممكنة. فبعض الحقائق لا يمكن احتمالها مباشرة، لكنها تصبح قابلة للفهم حين تتحول إلى كلمات. لذلك أؤمن أن الكتابة ليست هروبًا من الواقع، بل إنقاذًا للذات داخله.
12. ما هي النصيحة التي تقدمينها للشباب الذين يخشون نشر نصوصهم الأولى؟
نصيحتي الأولى للشباب الذين يخشون نشر نصوصهم الأولى هي: لا تنتظروا الكمال. النص الأول لا يُفترض به أن يكون مثاليًا، بل صادقًا. الخوف من الخطأ طبيعي، لكن ترك النصوص حبيسة الأدراج خوفًا من النقد هو الخسارة الحقيقية. أنصحهم أن ينظروا إلى النشر كـ خطوة تعلّم لا امتحان. كل نص يُنشر هو فرصة للفهم والتطوّر، سواء عبر الملاحظات الإيجابية أو النقد. لا يوجد كاتب نضج في العزلة، ولا تجربة إبداعية اكتملت دون تعثّر في البدايات.
كما أقول لهم: اكتبوا لأنكم تحبون الكتابة، لا لأنكم تريدون الإعجاب. حين يكون الدافع داخليًا، يصبح النقد أقل قسوة، وتصبح التجربة أكثر صدقًا. ابحثوا عن صوتكم الخاص، حتى لو كان مترددًا في البداية. وأخيرًا، تذكّروا أن كل كاتبٍ واثق اليوم كان يومًا ما خائفًا من نصه الأول. الشجاعة في الكتابة لا تعني غياب الخوف، بل تعني الكتابة رغم الخوف.
"بخطوات ثابتة، تمضي بلاح إيمان لتصنع صوتاً خاصاً يعبر عن جيلها، مؤكدة أن الحبر هو السبيل الوحيد لترميم خرائط الروح."
أحمد مراح | رئيس تحرير مجلة ظلال الفكرة

0 تعليقات