تتشرف مجلة ظلال الفكرة بتقديم حوار صحفي مع الكاتبة إيمان حباس التي استطاعت أن تصنع لنفسها صوتاً إبداعياً. نسلط الضوء في هذا اللقاء على التجربة الأدبية الرائعة للكاتبة.
• نبذة عن الكاتبة إيمان حباس
إيمان حباس كاتبة جزائرية، تبلغ من العمر 27 عامًا. تكتب في مجالات الخواطر والنصوص الأدبية والمقالات والشعر والرواية، إلى جانب إعداد التقارير الصحفية. تهتم في كتاباتها بالشأن الإنساني والتجربة الذاتية، وتسعى إلى تقديم محتوى يعكس وعيًا لغويًا وفكريًا، بأسلوب متوازن يلامس القارئ ويعبّر عن الواقع بصدق.
• نبذة عن الكتاب
عنوان الكتاب: كلمات سائبة
تصنيف أدبي: أدب وجداني – خواطر ونصوص قصيرة – مقالات – وميضات أدبية
دار النشر: واحة الأدب للنشر والتوزيع، قاعة 6، جناح C36
أولًا: حول المسار الأدبي للكاتبة
1. تكتبين في أجناس أدبية متعددة بين الخاطرة، النص، المقال، الشعر والرواية، كيف أسهم هذا التنوع في تشكيل صوتك الأدبي، وأيّها الأقرب إلى ذاتك؟
- ﻛﺎن ﺗﻨﻮّع اﻷﺟﻨﺎس اﻷدﺑﻴﺔ ﺧﻴﺎرًا واﻋﻴًﺎ أﻛﺜﺮ ﻣﻨﻪ ﻣﺼﺎدﻓﺔ . ﻫﺬا اﻟﻜﺘﺎب ﻻ ﻳﻨﺘﻤﻲ إﻟﻰ ﻗﺎﻟﺐ واﺣﺪ، ﻷﻧﻪ ﻛُﺘﺐ ﻣﻦ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﺷﻌﻮرﻳﺔ وﻓﻜﺮﻳﺔ ﻣﺘﻌﺪّ دة، وﻛﻞ ﻧﺺّ ﻓﻴﻪ اﺧﺘﺎر ﺷﻜﻠﻪ اﻟﺬي ﻳﺸﺒﻬﻪ . أﺣﻴﺎﻧًﺎ ﻻ ﺗﺤﺘﻤﻞ اﻟﻔﻜﺮة ﺳﻮى اﻟﺨﺎﻃﺮة، وأﺣﻴﺎﻧًﺎ ﺗﺤﺘﺎج إﻟﻰ ﻧﺺّ ﺗﺄﻣّﻠﻲ أﻃﻮل، أو إﻟﻰ ﻟﻐﺔ ﺷﻌﺮﻳﺔ ﻣﻜﺜّﻔﺔ، أو ﺣﺘﻰ إﻟﻰ ﻣﻘﻄﻊ أﻗﺮب إﻟﻰ اﻟﻤﻘﺎل اﻟﻮﺟﺪاﻧﻲ.
ﻫﺬا اﻟﺘﻨﻮع أﺳﻬﻢ ﻓﻲ ﺗﺸﻜﻴﻞ ﺻﻮﺗﻲ اﻷدﺑﻲ داﺧﻞ اﻟﻜﺘﺎب، وﺟﻌﻠﻪ أﻛﺜﺮ ﺻﺪﻗًﺎ وﺗﺤﺮّرًا ﻣﻦ اﻟﻘﻴﻮد اﻟﺸﻜﻠﻴﺔ، ﻓـ»ﻛﻠﻤﺎت ﺳﺎﺋبة« ﻫﻮ ﻓﻲ ﺟﻮﻫﺮه ﻛﺘﺎب ﻋﻦ اﻹﻧﺴﺎن، ﻋﻦ ﻫﺸﺎﺷﺘﻪ وأﺳﺌﻠﺘﻪ وﺻﺮاﻋﺎﺗﻪ اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ، وﻫﺬه اﻟﺜﻴﻤﺎت ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺣﺼﺮﻫﺎ ﻓﻲ ﺟﻨﺲ واﺣﺪ.
أﻣﺎ اﻷﻗرب إﻟﻰ ذاﺗﻲ داﺧﻞ ﻫﺬا اﻟﻌﻤﻞ، ﻓﻬﻲ اﻟﺨﺎﻃﺮة واﻟﻨﺺ اﻟﻮﺟﺪاﻧﻲ، ﻷﻧﻬﻤﺎ ﻳﺘﻴﺤﺎن ﻟﻲ اﻟﻜﺘﺎﺑة ﻣﻦ ﻣﻨﻄﻘﺔ اﻟﺼﺪق اﻷوﻟﻰ، ﺣﻴﺚ اﻟﻔكرية ﺗﻮﻟﺪ ﺷﻌﻮرًا ﻗﺒﻞ أن ﺗﺼﺒﺢ ﻟﻐﺔ، وﺣﻴﺚ اﻟﻜﻠﻤﺔ ﺗﺄﺗﻲ ﺑﻮﺻﻔﻬﺎ اﻋﺘﺮاﻓًﺎ ﻻ ﺗﺰوﻳﻘًﺎ . ﻫﺬا ﻣﺎ ﺣﺎوﻟﺖ اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻲ اﻟﻜﺘﺎب: أن ﺗﻜﻮن اﻟﻨﺼﻮص ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ اﻟﺸﻜﻞ، ﻟﻜﻨﻬﺎ ﻣﻮﺣّﺪة اﻟﺮوح .
2. كونكِ كاتبة شابة تهتم بالشأن الإنساني والتجربة الذاتية، كيف تنظرين إلى دور الكاتب اليوم في التعبير عن الواقع ومساءلته دون الوقوع في المباشرة أو الخطاب الجاهز؟
- أرى أن الكاتب اليوم مطالب بأن يكون شاهدًا لا خطيبًا، وضميرًا يقظًا لا صدىً لخطاب مستهلك. دوره لا يكمن في تفسير الواقع أو تجميله، بل في تفكيكه، مساءلته، وفضح ما يُمارَس عليه من تطبيع مع الألم واللامعنى. الكتابة الحقيقية لا تقول للقارئ ماذا يفكّر، بل تدفعه إلى أن يقلق، أن يتوقّف، وأن يعيد النظر.
في «كلمات سائبة» لم أسعَ إلى مواجهة الواقع بالشعارات، بل بالإنسان نفسه. التجربة الذاتية ليست انسحابًا من الشأن العام، بل هي مدخله الأصدق، لأن ما يُكسر في الداخل هو انعكاس مباشر لما يُفسد في الخارج. حين أكتب عن الخوف، القهر الصامت، أو التشظّي الداخلي، فأنا أكتب عن واقع كامل يتخفّى خلف الأقنعة.
الكاتب لا يقدّم خطابًا جاهزًا، بل يخلخل المسلّمات، يزعج الطمأنينة الزائفة، ويمنح القارئ مرآة لا موعظة. هكذا فقط يصبح الأدب فعل مساءلة حقيقي، لا تقريرًا، ويصبح النص مساحة مقاومة هادئة، لكن عميقة، لكل ما يحاول أن يُختزل أو يُفرَض كحقيقة نهائية.
ثانيًا: حول كتاب «كلمات سائبة» ومضامينه
3. يحمل عنوان كتابك «كلمات سائبة» إيحاءً بالتحرّر والصدق الداخلي، كيف وُلد هذا العنوان، وماذا تمثّل لك هذه “الكلمات” التي خرجت من قيودها؟
- عنوان «كلمات سائبة» لم يكن العنوان الأول للكتاب، بل وُلد بعد مخاض داخلي طويل. في البداية كان هناك عنوان مختلف، لكنه لم يكن قادرًا على احتواء الحالة التي كُتب فيها هذا العمل. كنت أمتلك أفكارًا كثيرة، مشاعر متراكمة، وأسئلة لا أعرف كيف أضعها في مسار واحد أو قالب منضبط، فكانت الكتابة تأتي متحرّرة من التصنيف، صادقة أكثر مما هي مرتّبة.
من هنا جاءت فكرة «كلمات سائبة»؛ كلمات خرجت من قيود الترتيب المسبق، ومن رقابة العقل الصارمة، لتقول نفسها كما هي. هذه الكلمات لا تدّعي الكمال ولا النظام، لكنها تحمل صدق التجربة. هي كلمات تاهت قليلًا قبل أن تجد طريقها إلى الورق، لكنها حين كُتبت، كُتبت بوعي إنساني عميق وحاجة حقيقية للتعبير.
بالنسبة لي، «الكلمات السائبة» تمثّل تلك اللحظات التي نعجز فيها عن الفهم، لكننا نكتب لننجو. هي نصوص لا تبحث عن إقناع القارئ، بل عن ملامسة ما يشبهه في الداخل. وربما لهذا بدت سائبة في شكلها، لكنها كانت شديدة الوفاء لجوهرها.
4. يتوزّع الكتاب على أربعة أقسام لكل منها نبرة شعورية خاصة، كيف تشكّلت هذه البنية؟ وهل كانت نابعة من تجربة ذاتية متدرّجة أم من رؤية فكرية مسبقة؟
- بنية «كلمات سائبة» لم تُبنَ بعقل بارد ولا وفق مخطّط ذهني جاهز، بل وُلدت من تصدّع داخلي حقيقي. الأقسام الأربعة ليست فصولًا بقدر ما هي شقوق في التجربة، لكلٍّ منها نبرة مختلفة لأنها كُتبت في لحظة شعورية مختلفة، حين لم يكن الشعور نفسه مستقرًا أو قابلًا للترويض.
لم أكتب وأنا أعرف إلى أين أصل، بل كنت أكتب وأنا أتحرّك بين الانكسار، المواجهة، الغضب الصامت، ثم محاولات الفهم القاسية للذات والعالم. هذا التدرّج لم يكن مريحًا ولا متوازنًا، لكنه كان صادقًا. وحين اكتملت النصوص، فرضت نفسها في أربعة أقسام، لا بوصفها رؤية فكرية مسبقة، بل باعتبارها أثرًا لتجربة عشتها حتى نهاياتها المؤلمة.
لهذا، فالبنية نابعة أولًا من تجربة ذاتية متدرّجة، ثم تبلورت لاحقًا كرؤية واعية أثناء الترتيب. «كلمات سائبة» لا يعد القارئ بالراحة، ولا يقوده بلطف، بل يضعه داخل حالات شعورية عارية، ويترك له أن يواجه نفسه فيها. هو كتاب لا يسعى إلى التهدئة، بل إلى الصدق، حتى وإن كان هذا الصدق قاسيًا.
5. في نصوصك حضور واضح للإنسان وللتجربة الذاتية، إلى أي مدى تعتبرين الكتابة فعل اعتراف شخصي، وإلى أي حد تحاولين تحويل التجربة الخاصة إلى إحساس إنساني مشترك؟
"الأدب الذي يختار الهدوء اليوم هو أدب شجاع، لأنه يسبح عكس التيار."
- الكتابة عندي تبدأ كفعل اعتراف، لكنها لا تتوقّف عند حدودي الشخصية. لا أؤمن بالاعتراف بوصفه كشفًا للذات فقط، بل كوسيلة لفهمها وتفكيكها. حين أكتب، أعود إلى التجربة كما عشتها، بكل هشاشتها وارتباكها، لأن الصدق هو الشرط الأول لأي نص حقيقي.
لكن هدفي ليس أن أروي قصتي الخاصة بقدر ما هو أن أجرّدها من خصوصيتها الضيّقة، وأحوّلها إلى إحساس إنساني يمكن للآخر أن يتعرّف عليه في نفسه. الألم الذي أكتبه ليس «ألمي» وحدي، والخوف، الفقد، والتناقضات الداخلية ليست حالات فردية، بل تجارب مشتركة نعيشها بطرق مختلفة.
في «كلمات سائبة» هناك اعتراف، نعم، لكنه اعتراف منقّى من التفاصيل التي تخصّني وحدي، ومشحون بالأسئلة التي تخصّ الجميع. أحاول أن أترك مسافة ذكية بيني وبين النص، مسافة تسمح للقارئ أن يدخل، لا أن يشعر أنه يتلصّص على حياة شخص آخر. حين يتحوّل الاعتراف إلى مرآة، لا إلى سيرة، يصبح الأدب فعل مشاركة إنسانية لا مجرد بوح شخصي.
6. الصمت والتأمل يشكّلان محورًا أساسيًا في «لمحة الصمت» و«بريق اللحظة»، هل ترين أن الأدب اليوم بحاجة إلى هذا النوع من الهدوء في زمن السرعة والضجيج؟
- نعم، أرى أن الأدب اليوم في حاجة ماسّة إلى هذا النوع من الهدوء، لا بوصفه انسحابًا من الواقع، بل مقاومة له. في زمن السرعة والضجيج، صار الصوت العالي هو السائد، بينما تراجعت القدرة على الإصغاء، سواء إلى الذات أو إلى المعنى. الصمت في «لمحة الصمت» و«بريق اللحظة» ليس فراغًا، بل امتلاء، مساحة يتكثّف فيها الشعور بدل أن يتبدّد.
هذا النوع من الكتابة لا يطلب من القارئ أن يركض مع النص، بل أن يتوقّف. أن يعيد النظر في التفاصيل الصغيرة التي تُهمَل وسط الإيقاع المتسارع للحياة. التأمل هنا ليس ترفًا جماليًا، بل ضرورة إنسانية، لأن الإنسان المرهق لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج، بل إلى لحظة وعي.
أؤمن أن الأدب الذي يختار الهدوء اليوم هو أدب شجاع، لأنه يسبح عكس التيار. هو لا ينافس العالم في سرعته، بل يذكّره بما فقده: القدرة على الشعور العميق، وعلى رؤية اللحظة قبل أن تفلت. في هذا المعنى، الصمت في الكتاب ليس انسحابًا، بل موقفًا، و«بريق اللحظة» هو محاولة لالتقاط المعنى قبل أن يضيع وسط الصخب.
ثالثًا: حول التجربة والنشر
7. بعد صدور «كلمات سائبة» عن دار واحة الأدب، كيف تقيمين هذه التجربة، وماذا تضيف هذه المحطة لمسارك الأدبي، وما الذي تتمنين أن يحمله القارئ معه بعد إغلاق آخر صفحة؟
- صدور «كلمات سائبة» عن دار واحة الأدب كان تجربة استثنائية بالنسبة لي، أشبه بمنزل احتضنني أكثر من أي دار نشر أخرى. الدعم الذي تلقيته لم يكن مجرد احترافية، بل وفاء حقيقي، وأخص بالذكر شيماء، التي كانت أكثر من سند، ومنحتني الثقة لأرى حروفي تتحرر وتخرج للعالم. هذا ليس إشهارًا، بل حقيقة لن أنساها أبدًا.
بالنسبة لي، هذه المحطة ليست مجرد صدور كتاب، بل خطوة أساسية في مساري الأدبي. كل ما أتمناه أن يحمل القارئ معه فكرًا وفهمًا، احترامًا للكلمة قبل كل شيء. أنا لا أبحث عن الشهرة، بل عن الهدف الحقيقي من الكتابة: أن تصل الرسالة إلى من يعرف قيمة الكلمات ويقدرها.
كما أتوجه بالشكر لمجلة ضلال الفكر، التي كانت سندًا لنا ولحروفي، وساهمت في نشر نصوصها وتوسيع دائرة الفكر. وفي النهاية، أحتفل بهذا الإنجاز مع نفسي، وأعتبره هدية أدبية وفكرية، تذكّرني دائمًا بما قال الكاتب فتحي عبد الحميد: أحيانًا ينجو الحرف بفضل من يؤمن به، وهذا ما شعرت به تمامًا. كان صديق و داعما لي بفضل الله و بفضل مساعدت الجميع انا هنا في بداية طريقي الي القمة.

0 تعليقات