مجلة ظلال الفكرة

مجلة ظلال الفكرة

لماذا يخاف العبد الخسارة في حين أنه لا يمتلك شيئا ولن يمتلك شيئا ؟

لماذا يخاف العبد الخسارة في حين أنه لا يمتلك شيئا ولن يمتلك شيئا؟

كثيرًا ما نشعر بضيق في صدورنا لمجرد التفكير في فقدان ما نملك، سواء كان مالاً، أو منصباً، أو حتى فكرة نتمسك بها. هذا الخوف الذي يلاحقنا ليس سببه الأشياء ذاتها، بل هو "خيط خفي" يربط قلوبنا بهذه الفانيات ويُشعرنا أننا بدونها لا نساوي شيئاً. في السطور التالية، سنكتشف معاً كيف أن إصلاح النفس والتحرر من "شهوة التملّك" هو الباب الوحيد للعيش بسكينة. سنتعرف على حقيقة بسيطة لكنها غائبة: نحن لا نملك الأشياء، بل هي أمانة عندنا.

التعلق

نخاف الخسارة لأن القلب لم يتحرّر بعد من شهوة التعلّق، ولأننا حين نُعطى ننسى أننا لم نُعطَ لنملك، بل لنُختبر. فالخوف لا يولد من ذهاب الشيء، بل من الوهم الذي نشأ لحظة حضوره، حين ظننّاه لنا لا علينا، ثابتًا لا عابرًا.

كل ما بين أيدينا أمانة، والعارف لا يبكي على الأمانة إذا عادت إلى صاحبها، بل يشكر لأنه أُذِن له أن يحملها لحظة. قالوا: من عرف أن الرزق وديعة، استراح من حراسته، ومن أيقن أن المعطي حيّ لا يموت، لم يخف ذهاب العطاء.

"البلاء ليس في ذهاب النعمة، بل في السكون إليها"

في مقام المعرفة، لا يُنظر إلى الممتلكات كأشياء، بل كأحوال. والحال لا يُمسك، بل يُعاش ثم يرحل. من حاول تثبيت الحال حزن، ومن سلّم لمروره استراح. لذلك قال العارفون: البلاء ليس في ذهاب النعمة، بل في السكون إليها.

نحن لا نخشى ذهاب الأمانة، بل نخشى أن نبقى بلا سند وهمي. لأن النفس لا تحتمل الوقوف عارية أمام الحق، فتتّخذ من الأشياء ستارًا، ومن الملك قناعًا، ومن التراكم هوية. فإذا سُحِب الستار ارتعدت، لا حزنًا على ما ذهب، بل فزعًا ممّا ظهر.

فالعطايا امتحان في الحضور، والمصائب امتحان في الصدق. ومن لم يفهم حكمة العطاء تعلّق، ومن تعلّق تألّم حين أُخذ. العارف يرى الأخذ عين العطاء، والذهاب عين الحضور. لأن ما يفنى إنما يفسح المجال لما لا يفنى. فإذا خلا القلب من الزائف، اتّسع للحقيقي.

إذا كان هناك حجاب يمنعه عن الحقيقة، والتعلق بشيء يحجب صاحبه عن رؤية غيره، ولذلك لابدّ من إزالة التعلقات بالأشياء، ومن تعلق بالأعلى أعرض عن الأدنى، فالتعلق بالدنيا وبالسلطة وبالمال يحجب المتعلق عن رؤية الحقيقة المرادة، ولذلك يجب الزهد وعدم التعلق بأعراض الدنيا، لكي يكون القلب مستعداً لقبول الحقيقة.

ولو ذاق القلب طعم التسليم، لعلم أن لا شيء يُفقد، لأن لا شيء كان مُلكًا. كل ما هناك أن الأمانة عادت إلى صاحبها، وبقي القلب إمّا مثقلاً بالتعلّق، أو خفيفًا بالرضا.

الحل في تزكية النفس

تزكية النفس أي إصلاحها والارتقاء بها من الصفات المذمومة إلى الصفات المحمودة، والتحكم في الغريزة والسيطرة عليها، وطريق التزكية هو مجاهدة النفس ومخالفتها وإضعافها، وعدم الاستجابة لمطالبها الشهوانية والغضبية، والمرض يعالج بضده، فالحرارة تعالج بالبرودة، والبرودة بالحرارة، والنفس المتعالية تعالج بإذلالها، والنفس المتعلقة بالمنصب أو المال تعالج بالزهد فيما تطلبه، وأهم وسيلة لكسر النفس تجويعها بالطعام، فيأكل القليل ويعرض على نفسه ما لا تشتهيه، وتعالج النفس المحبة للرياء وإعجاب الآخرين، بالخمول والعزلة عن الناس والاستيحاش من الخلق وكراهية الظهور والشهرة..

وعندما تتحرر النفس من غرائزها الفطرية تنمو القوة الروحية في السالك، ويكتسب قوة في المواقف وفهماً لسنن الله في الكون، وسكوناً داخلياً وشعوراً بالتحرر الداخلي والقوة الذاتية، ويستمد قوته من الله تعالى، ويكون له تأثير فيمن حوله، وهيبة في نظر الخلق، ويكون لكلامه حلاوة فيمن يسمعه، ويشعر أن الله تعالى هو المدبر لشؤون خلقه، فما يأتيه من ابتلاء من الله يرضى به من غير ضيق أو تململ ويكون عمله لله تعالى، ولا يهمه ماذا يقول الخلق عنه، ويستوي لديه المدح والذم، ولا يحقد على عدو ولا يظلم ولا يساوم على حق يؤمن به.

إرسال تعليق

0 تعليقات