« لو كان ثمن الحقيقة هو الألم والحزن، أيتها الحياة إنني أقبل جميع آلام هذا الكون من أجل الظفر بلحظة وجود حقيقية وصادقة »
ليست الحقيقة وعدًا بالطمأنينة، ولا طريقًا مفروشًا بالسكينة، بل كثيرًا ما تأتي محمّلة بالألم والحزن، كأنها اختبار قاسٍ لمدى استعداد الإنسان لمواجهة ذاته والعالم دون أقنعة. من هنا تنبع هذه المقولة، لا بوصفها نزعة تشاؤمية، بل إعلانًا فلسفيًا عن اختيار واعٍ: اختيار الحقيقة على حساب الوهم.
إن الإنسان، في مسيرته الوجودية، يقف دائمًا بين خيارين: أن يعيش في سلام زائف تصنعه العادات والتقاليد والأفكار الجاهزة، أو أن يخوض صراع الوعي الذي يكشف له هشاشته وتناقضاته وحدود معناه. الحقيقة، حين تُكتشف، لا تواسي، بل تجرّد؛ تنزع الطمأنينة المصطنعة وتضع الإنسان وجهًا لوجه مع فراغه وأسئلته الكبرى. ولهذا كان الألم ملازمًا لها، لا لأنها قاسية في ذاتها، بل لأنها صادقة.
يبدو العالم، حين نراقبه بوعي متيقّظ، كخشبة مسرح عملاقة؛ كل فرد فيها يؤدي دورًا مرسومًا سلفًا، يلتزم بنصّ غير مكتوب، ويتقن حركاته حتى لا يخرج عن المشهد العام. الوجوه متشابهة في ابتسامتها، والأصوات متفقة في ما تقول، وكأن الحقيقة صارت أمرًا محرجًا يجب إخفاؤه لا إعلانه. في هذا المسرح، لا أحد يظهر على حقيقته، لا لأن الحقيقة غائبة، بل لأنها غير مرغوب فيها.
لقد اعتاد الإنسان أن يعيش داخل أدواره: دور الناجح، ودور القوي، ودور الراضي، حتى صار الخروج من الدور فعل تمرد. وهكذا تحوّل الوجود إلى تمثيل طويل، تتراكم فيه الأقنعة فوق الوجوه، وتُستبدل الصداقات بالمجاملات، والمعنى بالمظاهر، والصدق بما هو مقبول اجتماعيًا. كل ما يحدث يبدو واقعيًا، لكنه في العمق مجرد وهم منظم.
أما اختيار الحياة الوجودية الصادقة، فهو انسحاب واعٍ من هذا العرض المستمر. هو قرار بأن يتحمّل الإنسان أحزانه وآلامه بدل أن يختبئ خلف ابتسامة متقنة. فالألم هنا ليس علامة فشل، بل دليل حياة غير ممثَّلة. أن تتألم بصدق، أصدق من أن تفرح زيفًا. وأن تحزن لأنك ترى، أكرم من أن تضحك لأنك أغمضت عينيك.
معانقة الألم هي رفضًا للوهم. هي شجاعة أن تقول: لن أكون نسخة مما يُنتظر مني، بل ما أنا عليه. في هذه المواجهة، يتعرّى الإنسان من أدواره، ويقف وحيدًا أمام ذاته، بلا جمهور، بلا تصفيق، لكن بحقيقة واحدة لا يمكن إنكارها: أنه موجود، لا ممثل.
وهكذا، تصبح الحياة الوجودية الصادقة فعل مقاومة هادئة. مقاومة ضد التمثيل و ضد العيش بالنيابة. هي حياة قد تكون أثقل، أكثر حزنًا، لكنها أكثر صدقًا. ففي عالم يقدّس التقليد، يغدو الألم ثمنًا مقبولًا من أجل حقيقة لا تُزيف، ووجود لا يُمثَّل.
مجلة ظلال الفكرة
نقدس الأثر.. ونرفض التكرار





0 تعليقات