فن النقائض في الشعر العربي: صراع الألسنة وهجاء العبقرية
عرف الشعر العربي القديم عبر مسيرته تحولات عدة على مستوى البنية الموضوعية والفنية، فمن العصر الجاهلي إلى العصر الإسلامي وصولاً إلى العصر الأموي الذي عرف تطورات مست الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. أدى هذا التحول إلى استعار نيران العصبية القبلية في كل من البصرة وخراسان، مما هيأ لاشتعال الهجاء طوال هذا العصر، ولظهور فن شعري جديد عرف بـ فن النقائض. فما المقصود به؟ ومن هم أبرز شعرائه؟ وكيف نشأ؟
مفهوم النقائض ونشأتها
النقائض هي جمع نقيضة، وجاء في لسان العرب لابن منظور أن النقض هو إفساد ما أبرم من عقد أو بناء. أما النقيضة في الشعر العربي، فهي قصيدة يرد بها شاعر على قصيدة شاعر آخر، فينقض معانيها، ويشترط أن تكون من بحر قصيدة الخصم ورويها.
ظهرت بوادرها الأولى منذ العصر الجاهلي؛ فكما تبارى الشعراء بالسهام، تباروا بالشعر، ينتصر الشاعر لقومه ويرد عليه شاعر القبيلة الأخرى. وفي العصر الإسلامي، كانت النقائض امتداداً لأصولها الفنية، فازدهرت المساجلات بين الصحابة وكفار قريش. وبمجيء العصر الأموي، تطورت حتى أصبحت فناً قائماً بذاته، واتخذت شكل مناظرات كان سوق المربد بالبصرة مسرحاً لها.
عوامل ازدهار النقائض في العصر الأموي
- عوامل سياسية: تشجيع حكام بني أمية لهذا الفن لصرف الناس عن التفكير في السياسة والحكم بتسليتهم بالنقائض.
- عوامل اجتماعية: حاجة المجتمع العربي (خاصة في البصرة) إلى نوع من التسلية يقطعون بها أوقاتهم، بالإضافة إلى تشجيع الجماهير التي كانت تتحلق حول الشعراء.
أغراضها ومواضيعها
تناول شعر النقائض العديد من المواضيع، بدءاً من بكاء الأطلال ووصف الصحاري والحماسة، ولكن يعد الهجاء والفخر هما أبرز غرضين. فالفخر لا تكاد تخلو منه نقيضة، حيث يفتخر الشاعر بخصاله وخصال قبيلته. أما الهجاء، فيقوم على ثلاثة أمور:
- تجريد المهجو وقبيلته من جميع المكارم وإضافتها إلى النفس.
- قذف المهجو بالشتائم وتناول الأعراض.
- تصوير المهجو بصورة ساخرة تحمل الناس على الضحك.
نماذج من روائع النقائض
والنازلون بظهر الغيب ما الخبر؟
فيرد عليه جرير: والآكلون خبيث الزاد وحدهم
والنازلون إذا واراهم الخمر
ومن أبرز فرسان هذا الميدان جرير، والفرزدق، والأخطل. يقول الفرزدق مفتخراً:
بيتاً دعائمه أعز وأطول
بيت بناه لنا المليك، وما بنى
حكم السماء، فإنه لا ينقل
فرد عليه جرير بقوة ويقين:
فسقيتُ آخرهم بكأس الأولِ
لما وضعتُ على الفرزدق ميسمي
وضغ البعيثُ جدعتُ أنف الأخطلِ
خاتمة
إن شعر النقائض الذي بدأ كتبارٍ قبلي بسيط، انتهى ليصبح في العصر الأموي فناً يحمل جملة من روائع القصائد العربية التي تميزت بجزالة اللغة وفخامة العبارة وقوة المعاني، موثقةً لصراعٍ فكري ولساني لم يعرف التاريخ له مثيلاً.

0 تعليقات