🛡️ همس الضمير وسطوة التعبير: الملحمة النفسية الكبرى ⚔️
بين عذوبة اللفظ ورصانة المعنى، يقف النثر الفني عرشاً للبيان العربي؛ هو الكلام المعلى المنزه عن الوزن الشعري، المبني على سحر السبك ودقة الوصف. ويأتي السجع زينة له، وهو توافق الفواصل في الحرف الأخير، فيمنح العبارات جرساً موسيقياً يأخذ بالألباب دون تكلف أو اعتمال.
ولكن.. واحسرتاه على أمة كان البيان سلاحها، والمحابر ميادينها! لقد عاتبنا الزمان حين هجر الكثير من كتاب العرب اليوم هذا الفن الرفيع، واستبدلوا بديباجته الزاهية ركاكة في التعبير، وسطوراً جافة تفتقر إلى روح البلاغة وأناقة الجملة، حتى كاد "النثر المسجع" يصبح أثراً بعد عين في مكتباتنا المعاصرة.
من هنا، وعلى خطى داهية الأدب بديع الزمان الهمذاني وشيخ البلغاء أبي بكر الخوارزمي في مناظرتهما التاريخية الشهيرة، نعيد إحياء هذا الموروث بقلم حديث. نقرأ معاً في "مجلة ظلال الفكرة" هذه القصة القصيرة التي تجسد صراعاً نفسياً عميقاً بأسلوب نثري مسجوع بين "الأنا" و"الأنا الأعلى":
📜 مناظرة الوعي: بين الأنا والأنا الأعلى
في عتمة النفس البشرية، وتحت قبة العقل المشحون بالقلق، عقدت مناظرة كبرى بين نَدَّيْن لا يفترقان: "الأنا"؛ ربيب الرغبة والميل، وسمير الشهوة والنيل، وبين "الأنا الأعلى"؛ حارس الفضيلة القيم، وميزان الحلال والحرم.
دخل "الأنا" المجلس مثقلاً بأوزار السعي، ناحل الجسد من طلب الملذات، فابتدره "الأنا الأعلى" بجفاء وتعالٍ، ناظراً إليه بشطر الطرف، قائلاً:
«ما لي أراك أيها "الأنا" الغارق في الأوحال، التابع لخطرات الخيال؟ تسعى خلف سراب الشهوات، وتنسى جليل الطاعات والقربات! أما استحييت من كثرة العثار، وتقلبك بين الليل والنهار في طلب الحظوظ الدنية، والأماني الغبية؟»
فانتفض "الأنا" ببديهة حاضرة، وأجاب بنبرة ساخرة:
«مهلاً أبا الحُكْم الجالس في برجك المشيد، الراكب لي بحبل الوريد! أنت تعيش في مثلك العليا، وتنسى أنني أجابه ضنك الحياة الدنيا. لولا سعيي في طلب الرغيف، وميلي إلى الوصل الشريف، لجفت عروقك النقية، وتلاشت مبادئك المثالية. أنا واقع ملموس، وأنت صوت محبوس!»
فثار "الأنا الأعلى" واحتدم، وأراد أن يسحق صاحبه بالحجة والحِكم، فقال:
«بل أنت محكوم بالهوى، مقود إلى الردى! تطيع "الهو" في كل نزوة، وتظن أنك بلغت الذروة. والله لأتركنك بين الميمات: بين ملوّم، ومحروم، ومغموم، ومهموم، ومشهوم، لا تجد لك في ساحة الفضيلة مقاماً، ولا تنال من نفسك الرفيعة احتراماً!»
فضحك "الأنا" ضحكة هزت أركان الوعي، وردّ عليه بقوة ساحقة مزقت ديباجة التعالي:
«وأنا أتركك أيها السجّان بين السينات والخاءات: بين منحوس، ومبْخوس، ومنكوس في مثاليات طوباوية، وبين ممسوخ، ومفسوخ عن الطبيعة البشرية! من للإنسان إذا ضاق به همّه، وتسارع دمّه؟ أنت سوط الضمير المميت، وأنا نبض الحياة المستميت!»
ثم قام "الأنا" وأخذ قرطاساً وكتب فيه رقعة بأسلوب عجيب، ثم قدمها للأنا الأعلى قائلاً: «اقرأ إن كنت تقرأ كتاب البشر!»
فنظرت فيها فلم يفهم لها وجهاً، فأخذها "الأنا" وجعل يقرأها منكوسة مسرودة معكوسة، فإذا هي تصرخ بحقيقة التوازن: (التطرف في المثالية عقام، والغرق في الشهوة حرام، وبينهما يقوم الميزان).
بُهت "الأنا الأعلى" وانقطع ظهره أمام هذه البديهة العارمة، وعلم أن سطوة القيم لا تعني خنق الوجود. فخرج "الأنا" من المناظرة مرفوع الرأس، مقبول العذر، بينما تفهّم "الأنا الأعلى" أن النفس لا تستقيم بالسوط والزجر، بل بالمراودة والصبر.

0 تعليقات