مجلة ظلال الفكرة | حوارات صحفية 🎙️
حوار صحفي مع الصحافي والكاتب اللبناني مارفن عجور
إعداد وتقديم: أحمد مراح (مدير المجلة)
تفتح مجلة ظلال الفكرة في هذا الحوار مساحة للكاتب مارفن عجور للحديث عن تجربته الإبداعية، ومصادره الفكرية، وكواليس أعماله، ورؤيته للأدب والثقافة، بعيدًا عن التعريفات المختصرة التي تختزل الكاتب في قائمة من الأعمال والتواريخ.
س: في البداية، كيف تعرف نفسك للقارئ بعيدًا عن التعريفات الرسمية والسيرة الذاتية التقليدية؟
ربما أعرّف نفسي كإنسان يحاول أن يفهم العالم من خلال الكلمات. أنا طالب صحافة وتواصل، وكاتب في الوقت نفسه، لكنني لا أحب أن أختصر نفسي في هذين العنوانين. أكتب لأنني أجد في الكتابة مكانًا أستطيع فيه أن أقول ما لا يُقال بسهولة، وأن أقترب من الإنسان في ضعفه وخوفه وأحلامه. أحب أن أراقب التفاصيل الصغيرة التي قد يعبر عنها الآخرون مرورًا، ثم أحاول أن أمنحها حياة على الورق. لذلك، قبل أن أكون كاتبًا، أرى نفسي شخصًا شديد الإصغاء إلى ما يحدث حوله وداخله.
س: متى بدأت علاقتك بالكتابة؟ وهل تتذكر اللحظة التي شعرت فيها بأن الكتابة أصبحت أكثر من مجرد هواية؟
بدأت علاقتي بالكتابة في سن مبكرة، وكانت في البداية محاولة بسيطة لأفهم أفكاري ومشاعري. ثم بدأت أنشر كتاباتي وأتعامل مع النص باعتباره شيئًا يمكن أن يصل إلى شخص لا أعرفه أصلًا. أذكر أن نشر أول مقال لي كان لحظة مختلفة؛ شعرت يومها أن الكلمات لم تعد محصورة في دفتري أو شاشتي، إنّما أصبحت قادرة على الوصول إلى حياة أخرى. منذ ذلك الوقت، بدأت أرى الكتابة كمسؤولية أيضًا، لا كهواية فقط. ومع مرور السنوات، صار لديّ عدد كبير من المقالات والنصوص المنشورة، وأصبحت الكتابة جزءًا ثابتًا من الطريقة التي أرى بها نفسي والعالم.
س: هل كان الكاتب الذي أنت عليه اليوم حاضرًا في طفولتك ومراهقتك، أم أنه تشكّل تدريجيًا مع التجربة؟
أعتقد أن البذرة كانت موجودة منذ البداية، لكن الكاتب نفسه تشكّل تدريجيًا. في طفولتي ومراهقتي كان هناك فضول كبير تجاه الكلمات والقصص، وربما ميل إلى مراقبة الناس والأشياء أكثر مما كنت أعبّر عنه. لكن التجربة هي التي أعطت ذلك كله شكله الحقيقي. كل مرحلة مررت بها تركت شيئًا في كتابتي؛ الخوف علّمني كيف أكتب عن القلق، والفقد جعلني أكثر حساسية تجاه التفاصيل، والفرح جعلني أؤمن بأن الأدب لا يجب أن يكون حزينًا كي يكون عميقًا. لذلك، الكاتب الذي أنا عليه اليوم ليس نسخة ثابتة من طفل كنتُه، بل حصيلة سنوات من القراءة والكتابة والملاحظة والتجربة.
س: لكل كاتب عالمه الخاص الذي يتشكل من أفكاره وقراءاته وتجربته في الحياة؛ كيف تصف العالم الفكري الذي تنتمي إليه؟
أنتمي إلى عالم فكري يشدّه الإنسان قبل أي شيء آخر. أحب الأدب الذي لا يكتفي بوصف ما يحدث، بل يسأل: لماذا يحدث؟ ماذا يترك في الإنسان؟ وكيف تتغير روحه بعد التجربة؟ لذلك تتقاطع في عالمي الكتابة الأدبية مع الصحافة وعلم النفس والأسئلة الاجتماعية والوجودية. أجد نفسي أيضًا قريبًا من الكتابة التي تترك مساحة للتأمل، والتي لا تعطي القارئ كل الإجابات جاهزة، إنّما تدفعه إلى أن يشارك في اكتشافها. وربما لهذا السبب أحب أن أتنقل بين المقال والقصة والنص الأدبي؛ لأن الإنسان نفسه ليس قالبًا واحدًا.
س: ما القضايا الإنسانية أو الفكرية التي تجد نفسك تعود إليها باستمرار في كتاباتك؟
أعود كثيرًا إلى الإنسان حين يجد نفسه في مواجهة ما يفوق قدرته: الحرب، الخوف، الوحدة، الفقد، القلق، والبحث عن معنى وسط الفوضى. تهمني أيضًا كرامة الإنسان وقدرته على الاستمرار رغم ما يحيط به، وتأثير الحروب والأزمات في الأفراد لا بوصفهم أرقامًا أو عناوين إخبارية، إنّما كأشخاص لديهم ذكريات وعائلات وأحلام مؤجلة. كما أجد نفسي مشغولًا بالعلاقة بين الإنسان والعالم الرقمي، وبالطريقة التي تغيّر بها وسائل التواصل علاقتنا بالحقيقة وبأنفسنا وبالآخرين. في النهاية، مهما اختلف الموضوع، أجدني أعود إلى السؤال نفسه: ماذا يحدث للإنسان من الداخل؟
س: ما هي أبرز أعمالك؟
من أبرز ما أعتز به تجربتي في المقالة الصحفية والأدبية، إذ نشرت منذ بداياتي عددًا كبيرًا من المقالات في منصات عربية ولبنانية مختلفة، وتناولت فيها موضوعات اجتماعية وإنسانية وثقافية. ومن الأعمال التي أعتز بها أيضًا نصوصي القصصية ومشاركتي في مشاريع ومختارات أدبية، ومن بينها مجموعة «بقايا» التي تحمل جانبًا مهمًا من تجربتي السردية، إلى جانب أعمال وقصص أخرى حاولت من خلالها الاقتراب من الحرب والذاكرة والإنسان. كما كانت لي تجارب في الإشراف على مشاريع أدبية جماعية والمشاركة في مسابقات وملتقيات أدبية. لكنني، رغم كل ما أنجزته حتى الآن، أتعامل مع هذه الأعمال باعتبارها مراحل، لا باعتبارها نهاية الطريق.
س: كيف تصف العلاقة التي تريد بناءها مع القارئ؟
لا أريد علاقة يكون فيها الكاتب فوق القارئ ليخبره بما يجب أن يفكر فيه. أريد أن أجلس معه إلى الطاولة نفسها، وأن نترك للنص مساحة للحوار بيننا. قد يقرأ القارئ قصة كتبتها عن الخوف، فيرى فيها شيئًا من حياته لم أقصده أصلًا، وهذا بالنسبة إليّ من أجمل ما يمكن أن يحدث للنص. أريد أن يشعر القارئ أنني اقتربت منه بما يكفي لأفهم شيئًا من وجعه وأسئلته. وإذا بقيت جملة واحدة من نص كتبته في ذاكرته بعد سنوات، فأشعر أن الكتابة وصلت إلى مكانها الحقيقي.
س: ما رأيك في انتشار الكتابة القصيرة والمحتوى الأدبي السريع؟
أراه نتيجة طبيعية لعصر أصبحت فيه السرعة جزءًا من طريقة تلقينا للمعلومات والأفكار. الكتابة القصيرة ليست بالضرورة سطحية، فقد تكون أحيانًا شديدة التكثيف وقادرة على قول الكثير بأقل عدد من الكلمات. المشكلة، في رأيي، تبدأ عندما تصبح السرعة هي المعيار الوحيد، فيكتب الإنسان فقط ما يمكن أن يجذب الانتباه خلال ثوانٍ. الأدب يحتاج أحيانًا إلى وقت، وإلى قارئ مستعد لأن يتوقف لا أن يمرّ. لذلك لا أرفض المحتوى السريع، لكنني أؤمن أن علينا ألا نسمح له بأن يلغي النصوص التي تحتاج إلى قراءة بطيئة وتأمل طويل.
س: كيف تصف المشهد الأدبي والثقافي العربي اليوم من وجهة نظرك؟
أراه مشهدًا غنيًا ومتعدد الأصوات، وخصوصًا مع ظهور جيل جديد من الكتّاب الذين وجدوا في المنصات الرقمية مساحة للوصول إلى القراء من دون المرور دائمًا بالطرق التقليدية. في المقابل، أعتقد أن هذا الانفتاح خلق تحديًا جديدًا، لأن كثرة المحتوى تجعل التمييز بين النص الذي يريد أن يقول شيئًا والنص الذي يريد فقط أن يحصد التفاعل أكثر صعوبة. ومع ذلك، لا أرى أن الأدب في أزمة بقدر ما أراه في مرحلة تحوّل. الأدوات تتغير، وطريقة الوصول إلى القارئ تتغير، لكن حاجة الإنسان إلى الحكاية والمعنى لا تتغير.
س: هل غيّرت الكتابة شيئًا في شخصيتك؟
غيّرتني الكتابة أكثر مما كنت أتوقع. جعلتني ألاحظ أشياء صغيرة لم أكن أنتبه إليها، وأصغي إلى الناس بطريقة مختلفة، وأفهم أن وراء كل تصرف قصة قد لا نعرفها. والأهم أنها جعلتني أواجه نفسي بدل أن أهرب منها. هناك أشياء لم أكن أعرف كيف أقولها، فوجدت طريقها إلى الورق. ومع الوقت، أصبحت الكتابة بالنسبة إليّ نوعًا من المصالحة مع الذات؛ ليست لأنها تحل كل شيء، بل لأنها تمنحني القدرة على النظر إلى ما يؤلمني من مسافة، وفهمه بدل أن يظل مجرد شعور غامض في داخلي.
س: ما المجال الذي تريد أن تأخذ كتابتك إليه مستقبلًا؟
أريد أن أذهب بكتابتي إلى مساحة أوسع تجمع الأدب بالصحافة وبالقضايا الإنسانية. أريد أن أكتب نصوصًا تصل إلى القارئ أدبيًا، لكنها في الوقت نفسه تجعله يرى قضية أو إنسانًا أو واقعًا ربما لم ينتبه إليه من قبل. كما أريد أن أتعمق أكثر في الكتابة عن أثر الحروب والأزمات في الإنسان، وعن النفس البشرية، وعن علاقتنا بالإعلام والتكنولوجيا والحقيقة. وحلمي الأكبر أن أكون كاتبًا وصحافيًا يستطيع أن يحمل القصة الإنسانية إلى أماكن أبعد، لا أن يكتب لمجرد أن يُقال إنه كتب.
س: لو كان عليك أن تترك للقارئ فكرة واحدة فقط من تجربتك في الكتابة والحياة، فكرة تستحق أن تبقى معه بعد انتهاء هذا الحوار، فماذا ستكون؟
ربما سأقول له: لا تستهِن بما يحدث داخلك. قد يبدو خوفك صغيرًا في عين شخص آخر، وقد يبدو حلمك بعيدًا أو ساذجًا لمن لا يراه كما تراه أنت، لكن ذلك لا يجعله أقل قيمة. تعلّمت من الكتابة أن الأشياء التي نحاول دفنها قد تعود يومًا على شكل كلمات، وأن ما نظنه ضعفًا فينا قد يصبح مصدر قوتنا إذا فهمناه. لذلك، لا تتخلَّ عن صوتك لأن العالم صاخب، ولا تتوقف عن الحلم لأن الطريق طويل. أحيانًا لا نحتاج إلى أن نغيّر العالم كله؛ يكفي أن نترك في حياة إنسان واحد أثرًا يجعله يشعر أنه كان مرئيًا ومفهومًا. بالنسبة إليّ، هذه هي الكتابة التي تستحق أن تبقى.
اكتب أيها الإنسان، فالكتابة سلاح لا تنضب رصاصاته. اكتب، ولا تخف! فالكتابة نحن بها نحيا، ونحيا، ونقوم بعد كلّ موت!
اكتب أيها الإنسان، فالكتابة سلاح لا تنضب رصاصاته. اكتب، ولا تخف! فالكتابة نحن بها نحيا، ونحيا، ونقوم بعد كلّ موت!
مجلة ظلال الفكرة 🤍 | جميع الحقوق محفوظة

0 تعليقات