مجلة ظلال الفكرة

مجلة ظلال الفكرة

حوار صحفي مع الكاتبة مريم ياسر الخليل

مجلة ظلال الفكرة | حوارات صحفية 🎙️

حوار خاص مع الكاتبة مريم ياسر الخليل

إعداد وتقديم: مجلة ظلال الفكرة

مقدمة الحوار

في هذا الحوار، تفتح مجلة ظلال الفكرة مساحة للكاتبة مريم ياسر الخليل للحديث عن تجربتها الإبداعية، ومصادرها الفكرية، وكواليس أعمالها، ورؤيتها للأدب والثقافة، بعيدًا عن التعريفات المختصرة التي تختزل الكاتب في قائمة من الأعمال والتواريخ.

س: في البداية، كيف تعرفين نفسك للقارئ بعيدًا عن التعريفات الرسمية والسيرة الذاتية التقليدية؟
أنا مريم ياسر الخليل، ابنة كفرنبودة، البلدة التي أنتمي إليها، والتي لم تكن يوماً مجرد مكان بالنسبة لي، بل كانت جزءاً من ذاكرتي وتكويني وطفولتي. حملت الكثير من الحكايات في قلبي قبل أن أحملها على الورق. حلمت بالسعادة منذ الصغر، لكن الحياة لم تمنحني منها ما كنت أرجوه، وسرقت الحرب أجمل سنوات عمري وتركت في داخلي الكثير من الحكايات والأسئلة.

أكتب لأنني أشعر أن بعض الأشياء إن لم نكتبها ستضيع، وأن بعض المشاعر لا تجد طريقها إلى النور إلا عبر الكلمة. لذلك لا أرى نفسي مجرد كاتبة، بل شاهدة على زمن، وحافظة لذاكرة، وإنسانة تحاول أن تترك خلفها أثراً يشبهها.
س: متى بدأت علاقتك بالكتابة؟ وهل تتذكرين اللحظة التي شعرتِ فيها بأن الكتابة أصبحت أكثر من مجرد هواية؟
بدأت علاقتي بالكتابة من حاجة داخلية إلى التعبير. لم أكن في البداية أفكر في أن أصبح كاتبة بالمعنى الذي أفهمه اليوم، كنت أكتب ما أشعر به، وما أخاف أن أنساه، وأوثّق لحظات من حياتي وذاكرتي.

ومع مرور الوقت أدركت أنني لا أكتب لمجرد تفريغ المشاعر، وإنما لأن لدي ما أريد أن أقوله، وحكايات أريد أن أحفظها، وذاكرة أخشى عليها من النسيان. عندها أصبحت الكتابة بالنسبة لي أكثر من هواية، أصبحت جزءاً من هويتي ومسؤولية تجاه نفسي وذاكرتي ومكاني.
س: هل كان الكاتب الذي أنتِ عليه اليوم حاضرًا في طفولتك ومراهقتك، أم أنه تشكّل تدريجيًا مع التجربة؟
ربما كانت الكاتبة موجودة في داخلي منذ الطفولة، لكنها لم تكن تعرف اسمها بعد. كنت ألتفت إلى التفاصيل الصغيرة، وأحفظ المشاهد في ذاكرتي، وأتعلق بالأماكن والوجوه والحكايات.

ثم جاءت الحياة بتجاربها القاسية، بما فيها من فقد ونزوح وتغيير، فكبرت تلك الطفلة التي كانت تراقب التفاصيل، وأصبحت تكتب عنها. لذلك أشعر أن التجربة لم تصنع الكاتبة في داخلي من العدم، لكنها كشفتها وأعطتها صوتاً.
س: لكل كاتب عالمه الخاص الذي يتشكل من أفكاره وقراءاته وتجربته في الحياة؛ كيف تصفين العالم الفكري الذي تنتمين إليه؟
عالمي قريب من الإنسان ومن ذاكرته. يشدني كل ما يترك أثراً في الروح: المكان، الوطن، العائلة، الغربة، الفقد، الأمل، والقدرة على البدء من جديد.

وأؤمن أن الأدب الحقيقي لا يعيش بعيداً عن الإنسان، بل يولد من تفاصيله ومشاعره وأسئلته. لذلك أحب الكتابة التي تحمل إحساساً صادقاً والتي تجعل القارئ يرى شيئاً من نفسه بين السطور، حتى وإن كانت التجربة التي يقرأ عنها مختلفة عن تجربته.
س: ما القضايا الإنسانية أو الفكرية التي تجدين نفسك تعودين إليها باستمرار في كتاباتك؟
أعود كثيراً إلى الذاكرة، لأنني أخشى على الأشياء الجميلة من النسيان. أكتب عن الوطن لا بوصفه جغرافيا فقط، بل بوصفه بيتاً وطفولة ووجوهاً وذكريات وحنيناً.

وأكتب عن النزوح والفقد والصبر، وعن المرأة التي قد تمر بالكثير ثم تكتشف أن في داخلها قدرة هائلة على النهوض. كما أعود كثيراً إلى فكرة السعادة، تلك السعادة التي حلمت بها طويلًا ولم أجدها بالشكل الذي تمنّيته. وربما لهذا أكتب عنها، لأن الإنسان أحياناً يكتب أكثر الأشياء التي افتقدها، وكأنه يحاول أن يصنعها بالكلمات.
س: ما هي أبرز أعمالك؟
من أكثر المشاريع قرباً إلى قلبي مشروعي الأدبي والتوثيقي عن كفرنبودة، الذي أحاول من خلاله أن أحفظ ذاكرة المكان وتفاصيل حياته وحكايات أهله، ما كان قبل الحرب، وما حدث خلالها، وما بقي بعدها.

إلى جانب ذلك أكتب الخواطر والنصوص النثرية، ولدي عدد من النصوص والمشاريع الأدبية التي أطمح إلى جمعها وإخراجها في كتب تحمل هويتي الخاصة. ومن أكثر النصوص قرباً إليّ تلك التي كتبتها عن النزوح والعودة والحنين، لأنها تحمل شيئاً حقيقياً من تجربتي ومن حياة عشتها.
س: كيف تصفين العلاقة التي تريدين بناءها مع القارئ؟
أريد أن يشعر القارئ أنني لا أتحدث إليه من مكان بعيد، بل أجلس إلى جواره وأحكي له شيئًا يشبهه. لا أبحث عن قارئ يصفق للنص فقط، بل عن قارئ يجد نفسه بين سطوره.

وإذا انتهى من قراءة نص لي وبقيت في داخله جملة أو صورة أو شعور، فأشعر أنني وصلت إلى ما أريده من الكتابة. بالنسبة لي، أجمل نجاح للنص أن يبقى في الذاكرة بعد أن تُغلق صفحته.
س: ما رأيك في انتشار الكتابة القصيرة والمحتوى الأدبي السريع؟
الكتابة القصيرة أصبحت جزءاً من زمننا، ولا أرى فيها مشكلة بحد ذاتها، فقد تكون بضعة أسطر أصدق وأعمق من صفحات طويلة. المشكلة ليست في قِصر النص، وإنما حين تتحول السرعة إلى بديل عن القراءة والتأمل.

أنا مع الكتابة التي تحترم عقل القارئ ومشاعره، سواء كانت قصيرة أم طويلة. فالكلمة لا تُقاس بعددها، وإنما بما تحمله من صدق، وما تتركه من أثر.
س: كيف تصفين المشهد الأدبي والثقافي العربي اليوم من وجهة نظرك؟
أراه مشهداً واسعاً ومتنوعاً، وأعتقد أن ظهور مساحات جديدة للنشر والتعبير أتاح لأصوات كثيرة أن تصل إلى القارئ، وهذا أمر مهم.

لكن في المقابل، أصبحت الحاجة أكبر إلى القراءة الواعية، وإلى الاهتمام باللغة وجودة النص، لأن كثرة المحتوى لا تعني بالضرورة كثرة الأدب. قد يعرّف الانتشار الناس بالكاتب، لكن ما يبقيه في ذاكرتهم هو النص الصادق الذي يستطيع أن يعيش بعد لحظة انتشاره.
س: هل غيّرت الكتابة شيئًا في شخصيتك؟
غيّرتني كثيراً. جعلتني أكثر إنصاتاً لما يحدث حولي، وأكثر انتباهاً للتفاصيل التي ربما كنت أمرّ بها سابقاً دون أن أتوقف عندها.

والالأهم أنها علمتني أن الألم ليس نهاية الحكاية. أحيانًا نمر بتجربة نظن أنها ستكسرنا، ثم نكتشف أنها منحتنا صوتاً لم نكن نعرف أنه موجود في داخلنا. وربما لولا بعض ما عشته، لما أصبحت أكتب بالطريقة التي أكتب بها اليوم.
س: ما المجال الذي تريدين أن تأخذي كتابتك إليه مستقبلًا؟
أريد أن أصل بكتابتي إلى مرحلة يصبح فيها لي صوت واضح وهوية يعرفها القارئ حتى قبل أن يرى اسمي. أحلم بكتب تحمل تجربتي وتبقى قريبة من الناس، وأرغب في تطوير مشروعي المتعلق بكفرنبودة ليكون أكثر من مجرد كتاب، وأكثر من ذاكرة مكتوبة تحفظ الأسماء والحكايات والتفاصيل للأجيال القادمة.

كما أطمح إلى خوض تجارب أدبية أوسع في الشعر والنثر والرواية، وأن أستمر في تطوير أدواتي، لأنني أؤمن أن الكاتب الحقيقي لا يتوقف عن التعلم.
س: لو كان عليك أن تتركي للقارئ فكرة واحدة فقط من تجربتك في الكتابة والحياة، فكرة تستحق أن تبقى معه بعد انتهاء هذا الحوار، فماذا ستكون؟
أقول له: لا تسمح للألم أن يكون آخر ما يُكتب في حكايتك، قد تأخذ منا الحياة بيوتاً وأماكن وأشخاصاً وأحلاماً لكنها لا تستطيع أن تأخذ قدرتنا على البدء من جديد. اكتب ما عشته، واحفظ ما تحبه، ولا تخجل من ندوبك، فقد تكون الأشياء التي ظننت يوماً أنها كسرتك هي نفسها التي منحتك صوتك.

وأنا، مريم.. ربما لهذا السبب أكتب… كي لا تضيع الحكايات، وكي يبقى للأماكن التي أحببتها، وللأيام التي عشتها، أثرٌ لا يستطيع الزمن محوه.
مجلة ظلال الفكرة 🤍 | جميع الحقوق محفوظة

إرسال تعليق

0 تعليقات