مجلة ظلال الفكرة

مجلة ظلال الفكرة

حوار صحفي مع الكاتبة هدير أبو علم الخميسي

مجلة ظلال الفكرة | حوارات صحفية 🎙️

حوار خاص مع الكاتبة هدير أبو علم الخميسي "إيــــــــــــرُوم"

إعداد وتقديم: مجلة ظلال الفكرة

مقدمة الحوار

في هذا الحوار، تفتح مجلة ظلال الفكرة مساحة للكاتبة هدير أبو علم الخميسي "إيــــــــــــرُوم" للحديث عن تجربتها الإبداعية، ومصادرها الفكرية، وكواليس أعمالها، ورؤيتها للأدب والثقافة، بعيدًا عن التعريفات المختصرة التي تختزل الكاتب في قائمة من الأعمال والتواريخ.

س: في البداية، كيف تعرفين نفسك للقارئ بعيدًا عن التعريفات الرسمية والسيرة الذاتية التقليدية؟
لا أُعرّف نفسي بما كتبت، بل بما عجزت عن كتابته. أنا ظلٌ يحاول أن يلتقط ظلال الفكرة، عابرةٌ بين الكلمات، أحمل ذاكرة مثقوبة وقلبًا لا يطمئن للتعريفات الجاهزة. قارئةٌ أضاعت الطريق إلى نفسها، فقررت أن تكتب الخريطة.
س: متى بدأت علاقتك بالكتابة؟ وهل تتذكرين اللحظة التي شعرت فيها بأن الكتابة أصبحت أكثر من مجرد هواية؟
بدأت كأي علاقة بريئة، بدفتر صغير في المدرسة. كنت أكتب لأخفي ما لا أستطيع قوله.

اللحظة الفاصلة لم تكن نشر نص، بل لحظة صمت. عندما كتبت نصًا حزينًا وعدت لقراءته فبكيت، كأن كاتبة أخرى كتبته عني. هناك فهمت أن الكتابة لم تعد هواية، بل مرآة وطريقة نجاة.
س: هل كانت الكاتبة التي أنتِ عليها اليوم حاضرة في طفولتك ومراهقتك، أم أنها تشكّلت تدريجيًا مع التجربة؟
كانت موجودة كـ بذرة. كنت الطفلة التي تلاحظ أكثر مما تتكلم، التي تعيد تأليف نهاية القصة في رأسها، التي تسأل كثيرًا.

التجربة لم تخلق الكاتبة، هي فقط أعطتها لغة، وأعطت صمتها صوتًا.
س: لكل كاتب عالمه الخاص الذي يتشكل من أفكاره وقراءاته وتجربته في الحياة؛ كيف تصفين العالم الفكري الذي تنتمين إليه؟
أنتمي لعالمٍ يقف على الحافة. حافة بين القلب والعقل، بين السماء والأرض، بين ما قيل وما لم يُقل بعد. عالمي ليس فكرة، بل شعور.

شعور بأن الإنسان أوسع من أي نظرية، وأن الكلمة الطيبة قد تكون أكثر ثورية من كتاب كامل. أنتمي لكل من كتب ليطمئن، لا ليُبهر.
س: ما القضايا الإنسانية أو الفكرية التي تجدين نفسك تعودين إليها باستمرار في كتاباتك؟
أعود إلى فكرة الصمت. الصمت الذي يسبق الكلام، والصمت الذي يأتي بعده حين لا يعود للكلام معنى. يهمني الإنسان حين يختار أن يسكت، ماذا يخفي في هذا السكوت.

وأعود إلى الذاكرة، ليس كحنين، بل كعبء. كيف تحملين ذكريات لا تخصك وحدك، بل تخص عائلة ومدينة وجيلًا كاملًا.

وأعود إلى سؤال الحرية. ليس الحرية الكبيرة في الكتب، بل الحرية الصغيرة: أن تقولي لا، أن تغلقي الباب، أن تختاري طريقًا لا يشبه طريق الجميع دون أن تشعري بالذذنب (بالذنب).
س: ما هي أبرز أعمالك؟
كل عملٍ هو ندبةٌ جميلة.

- جريمة في الظلام: لم تكن رواية عن قاتل، بل عن الظلام الذي يسكننا جميعًا ويجعلنا قادرين على القتل. أول اعتراف لي بأن الشر ليس غريبًا عنا.

- ظلال الخوف: هذا العمل الأقرب إلى قلبي. لم أكتب عن الخوف كشعور، بل ككائن حي يمشي خلف أبطالي، يتنفس معهم، يكبر معهم. هو كتاب عن كيف يصنعنا خوفنا أكثر مما تصنعنا شجاعتنا.

- آخر وجبة: هي ذروة تجربتي. سؤال فلسفي في ثوب بوليسي: لو عرفتِ أن هذه وجبتك الأخيرة، مع من ستجلسين؟ وماذا ستعترفين؟ هي رواية عن الموت ككاشف للحقيقة، لا كنهاية لها.
س: كيف تصفين العلاقة التي تريدين بناءها مع القارئ؟
لا أريد قارئًا يصفق، أريد قارئًا يجادلني. علاقة ندّية، لا فوقية فيها. أكتب النص وأترك فيه فراغات متعمدة ليملأها القارئ بخبرته.

أريده شريكًا في الجريمة، لا متلقيًا سلبيًا.
س: ما رأيك في انتشار الكتابة القصيرة والمحتوى الأدبي السريع؟
هي سلاح ذو حدين. جميل أن يعود الناس للقراءة ولو بجملة، لكن الخطر أن نعتاد الوجبات السريعة وننسى طعم الولائم.

الكتابة السريعة تلمس، لكنها نادرًا ما تترك أثرًا. أظن أن علينا أن نستخدمها كباب، لا كبيت نسكنه.
س: كيف تصفين المشهد الأدبي والثقافي العربي اليوم من وجهة نظرك؟
مشهدٌ ممتلئ ومربك في آن. هناك طفرة نشر وشجاعة في طرح المسكوت عنه، خاصة بأقلام نسائية لم تعد تخاف، وهذا مكسب عظيم.

لكن في المقابل هناك ضجيج يخلط بين الرائج والجيد، وبين الكاتبة والمؤثرة. ما نحتاجه اليوم هو نقدٌ يحب الأدب أكثر مما يحب المجاملة، وقارئ يبحث عن نصٍ يوجعه، لا عن نصٍ يسلّيه فقط.
س: هل غيّرت الكتابة شيئًا في شخصيتك؟
الكتابة جعلتني وحيدة بطريقة أعمق، وشجاعة بطريقة أهدأ. لم أعد أخاف من العزلة، صرت أبحث عنها.

لأن في العزلة أسمع صوتي الحقيقي، الصوت الذي لا يريد أن يرضي أحدًا، فقط يريد أن يكون صادقًا.
س: ما المجال الذي تريدين أن تأخذي كتابتك إليه مستقبلًا؟
أريد أن آخذها إلى منطقة أكثر هدوءًا وصدقًا. لقد تعبت من الضجيج، أريد أن أكتب نصًا يشبه غرفة مغلقة، لا يدخلها إلا من يحب التأمل.

لا أبحث عن نوع أدبي جديد، بل عن نبرة جديدة. نبرة أقل صراخًا وأكثر وصولًا. أن أكتب كتابة لا تُسأل: ماذا تقول؟ بل: ماذا تُشعر؟ أريد أن أكتب ما لا يُكتب، المسافة بين الكلمة والدمعة، بين الفكرة واليد التي ترتجف وهي تكتبها.
س: لو كان عليكِ أن تتركي للقارئ فكرة واحدة فقط من تجربتك في الكتابة والحياة، فماذا ستكون؟
أن تنقذي نفسك بنفسك. لا تنتظري أن يفهمك أحد تمامًا، ولا أن يأتي أحد ليضيء لك الطريق. الضوء ليس هناك في الخارج، الضوء أن تتعلمي كيف تمشين في العتمة دون أن تفقدي اتجاهك.

الحياة لن تكون منصفة دائمًا، ولن تكون واضحة دائمًا. لكنك تستطيعين في كل يوم أن تختاري موقفك منها. أن تختاري أن تكوني صادقة، أن تكوني حرة ولو في داخلك فقط، وأن لا تبيعي صوتك مهما كان الثمن.
مجلة ظلال الفكرة 🤍 | جميع الحقوق محفوظة

إرسال تعليق

0 تعليقات