مجلة ظلال الفكرة

مجلة ظلال الفكرة

حوار صحفي مع الكاتب المغربي نورالدين زايز

مجلة ظلال الفكرة | حوارات صحفية 🎙️

حوار خاص مع الكاتب نورالدين زايز

إعداد وتقديم: مجلة ظلال الفكرة

مقدمة الحوار

في هذا الحوار، تفتح مجلة ظلال الفكرة مساحة للكاتب نورالدين زايز للحديث عن تجربته الإبداعية، ومصادره الفكرية، وكواليس أعماله، ورؤيته للأدب والثقافة، بعيدًا عن التعريفات المختصرة التي تختزل الكاتب في قائمة من الأعمال والتواريخ.

س: في البداية، كيف تعرف نفسك للقارئ بعيدًا عن التعريفات الرسمية والسيرة الذاتية التقليدية؟
أقول ببساطة إنني إنسان وجد في الكتابة متنفساً للروح ومساحة للتعبير عما بداخلنا، حتى إن الكتابة هي تجربة تمر في حياتنا كما يمر قطار الأحلام من أمام أعيُننا. فأنا كاتب أتنقل بين الرواية والخاطرة وأحياناً أكتب في الشعر، كما أحاول أن أجعل من كلماتي مرآةً للقارئ وكذا لتساؤلاته التي لا تنتهي. وأنا أرى في نفسي مجرد نافذة تطل على المستقبل بما يجول في خاطري وما أعيشه الآن، لأترك للقارئ أن يكتشفني بين السطور والكلمات.
س: متى بدأت علاقتك بالكتابة؟ وهل تتذكر اللحظة التي شعرت فيها بأن الكتابة أصبحت أكثر من مجرد هواية؟
بدأت علاقتي بالكتابة سنة 2014؛ حيث كانت الكلمات في البداية مجرد محاولة لترتيب أفكاري ومشاعري على الورق، ثم خطوة بخطوة أصبحت الكتابة جزءاً من حياتي اليومية. جاءت اللحظة التي أدركت فيها أنها أصبحت أكثر من مجرد هواية مع مرور الوقت، كنت أشعر أن بعض الأفكار لا تجد مكانها إلا على البساط الأبيض، وأنني إن لم أكتبها ستظل عالقة في داخلي. عندها فهمت أن الكتابة بالنسبة لي هي ملاذ أكثر من مجرد وقت أقضيه معها، بل هي جزء من كياني.
س: هل كان الكاتب الذي أنت عليه اليوم حاضرًا في طفولتك ومراهقتك، أم أنه تشكّل تدريجيًا مع التجربة؟
بالنسبة لي، الكاتب الذي أنا عليه الآن تشكل تدريجيًا مع التجربة؛ أي كان موجودًا منذ وقت مبكر، لكن لم أكن أعرف اسمه بعد. أما التجربة والقراءة والحياة فقد جاءت لتمنحني ذلك الشعور الحقيقي وأنا أسافر في عالم الكتابة. فالكاتب الذي أنا عليه اليوم لم يولد دفعة واحدة، بل تشكل تدريجيًا من مواقف عشتها منذ طفولتي، وأشخاص التقيتهم بالصدفة، وأشياء فقدتها في مراهقتي وأخرى تعلمت منها. وربما أجمل ما في الكتابة أنها لا تنتهي عند كل سطر، لأن الكاتب يظل محاربًا ما دام يقرأ ويشعر بمن حوله.
س: لكل كاتب عالمه الخاص الذي يتشكل من أفكاره وقراءاته وتجربته في الحياة؛ كيف تصف العالم الفكري الذي تنتمي إليه؟
أنا كاتب أنتمي إلى عالم يهتم بالإنسان القارئ قبل كل شيء، وبالأسئلة التي يحملها في داخله ولا يجد لها إجابات سهلة. كما أحب التأمل في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها تخفي خلفها حكايات كبيرة. عالمي الفكري يتأرجح بين الواقع والخيال، لكنني لا أكتفي بنقله كما هو، بل أحاول أن أعيد قراءته من زاوية تصويرية وأخرى أدبية، وأن أبحث عن المعنى المختبئ خلف كل موقف وحدَث.
س: ما القضايا الإنسانية أو الفكرية التي تجد نفسك تعود إليها باستمرار في كتاباتك؟
أعود أحياناً إلى قضايا داخلية متعلقة بالإنسان مثل الحب والفقد والخيبة والزمن والبحث عن الذات واكتشاف حقيقة الأشخاص. كما تشغلني فكرة الأقنعة التي ترتديها وجوه الناس، وكيف تكشف لنا الأيام وبعض المواقف معدن الأشخاص الحقيقي. لذلك أكتب عن الإنسان حين يكون ضعيفاً فكرياً، وحين يحاول النهوض من جديد، وبين ما نخفيه في أعماقنا.
س: ما هي أبرز أعمالك؟
أبرز أعمالي تتوزع بين الرواية والخواطر والنصوص الشعرية. ومن المشاريع التي أعتز بها كتاباتي في مجال الخواطر والنصوص الأدبية التي تنطلق من الواقع والتجارب الإنسانية، إلى جانب مشاركتي في كتاب «أوتار الهايكو»، وهو عمل جماعي كان لي شرف المشاركة فيه تحت إشراف الأستاذ حسن يارتي والأستاذة نعمت الحمري، وكانت تجربة أعتز بها كثيرًا لأنها جعلتني ألتقي بأصوات شعرية مختلفة وأكون جزءاً من تجربة أدبية مشتركة.

كما شاركت في عدة كتب إلكترونية رفقة مجموعة من المؤلفين منها: «ياسمين من أروقة البيت»، «يمامة خلف السحاب»، «في عالمٍ موازٍ»، «نبض الحكايات»، «أوتار الصمت»، «همسات النور».. تحت إشراف شركة فانتازيا. ومن أعمالي الخاصة تأليف روايتي «إشراقة حلم» التي نشرتها إلكترونياً من قبل دار التمييز الثقافية للنشر الإلكتروني، ولدي أعمال أخرى في طور الإنجاز في مجال الخواطر وروايات الرعب، والكثير من المشاركات في عدة مجلات وملتقيات أدبية ومنصات إلكترونية.
س: كيف تصف العلاقة التي تريد بناءها مع القارئ؟
أتمنى أن تكون علاقة تتجاوز القراءة العابرة، وأن يجد القارئ في كتاباتي جزءاً منه، وربما شعوراً قد عاشه في طفولته ولم يستطع التعبير عنه، أو كان يبحث عن صياغة لسؤال كان يشغله. لا أريد أن أفرض على القارئ تفسيراً واحداً لنصوصي، بل أترك له مساحة ليعيش الدور بطريقته الخاصة. أما بالنسبة لي، فأجمل نجاح للكاتب هو أن يغلق القارئ الكتاب وهو مقتنع بفكرة الكاتب.
س: ما رأيك في انتشار الكتابة القصيرة والمحتوى الأدبي السريع؟
الكتابة القصيرة ليست بالضرورة كتابة سطحية، أما المحتوى الأدبي السريع فبلا طعم إن خلا من قيمة النص وقدرته على الوصول إلى القارئ فكرياً وشعورياً باللغة التي يحملها. لكن أعتقد أن سرعة العصر جعلت كثيراً من القراء يبحثون عن نصوص سريعة دون الغوص في معناها اللغوي؛ وهذا بحد ذاته يمثل تحدياً أمام الكاتب الحقيقي في الحفاظ على عمق وجمال النص داخل المساحات القصيرة. المشكلة ليست في قِصر النص، بل حين يصبح الاختصار على حساب المعنى.
س: كيف تصف المشهد الأدبي والثقافي العربي اليوم من وجهة نظرك؟
من وجهة نظري، يبدو المشهد الأدبي العربي اليوم متنوعاً جداً وغنياً بالعديد من الأعمال. هناك أصوات جديدة تظهر باستمرار وتحاول أن تجد لنفسها مكاناً في الساحة الثقافية. وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في منح الكثير من الكتاب مساحة للوصول إلى جمهورهم، لكنها في الوقت نفسه جعلت المنافسة أكبر، وأصبح الانتشار أسرع من النضج الأدبي. لذلك أرى أن المرحلة تحتاج إلى الجمع بين الاستفادة من الوسائل الحديثة والعودة إلى القراءة الجادة، لأن الأدب لا يُبنى بالظهور وحده بل بالاستمرار والاشتغال الحقيقي على النص.
س: هل غيّرت الكتابة شيئًا في شخصيتك؟
نعم بالتأكيد؛ الكتابة جعلتني كاتباً أكثر تأملاً في الأشياء وأكثر انتباهاً للتفاصيل. كما أصبحت أقرأ منظور الحياة من زاوية مختلفة، وأفهم أن الإنسان ليس دائماً كما يبدو لنا، وأن وراء كل كاتب حكاية قد لا نعرفها. علمتني الكتابة الصبر والمثابرة لأن النص الجيد يحتاج إلى وقت طويل لتفهمه، وأن الكاتب نفسه يحتاج إلى وقت حتى يكتشف نبرة صوته والأهم أنها جعلتني أكثر قرباً من نفسي.
س: ما المجال الذي تريد أن تأخذ كتابتك إليه مستقبلًا؟
مستقبلًا أطمح إلى تطوير تجربتي أكثر في مجال الرواية لأنها تمنح الكاتب مساحة واسعة لبناء العوالم والشخصيات والغوص في تفاصيل الواقع. وفي نفس الوقت أريد الاستمرار في كتابة الخواطر والنصوص الشعرية لأنها قريبة جداً من روحي وكياني. كما أتمنى أن أصل بكتاباتي إلى مرحلة يكون لي فيها أسلوب خاص وصوت يستطيع القارئ أن يتعرف عليه دون الحاجة إلى رؤية اسم الكاتب.
س: لو كان عليك أن تترك للقارئ فكرة واحدة فقط من تجربتك في الكتابة والحياة، فكرة تستحق أن تبقى معه بعد انتهاء هذا الحوار، فماذا ستكون؟
أقول للقارئ: لا تخف من الطريق الذي يعيدك إلى نفسك؛ فقد نمر في الحياة بخيبات كثيرة وقد نفقد أشخاصاً أعزاء علينا ونظن أن كل شيء انتهى، ثم نكتشف بعد مرور الوقت أن بعض الخسارات كانت دروساً لنا، وأن بعض النهايات كانت بدايات لم نكن نعرفها. الزمن لا يكشف لنا الآخرين فقط، بل يكشف لنا من نحن أيضاً. لذلك؛ أكتب، وعش حياتك، وتعلّم، ولا تسمح للخيبة أن تجعلك تفقد إيمانك بنفسك، فربما تكون أجمل صفحات حياتك هي تلك التي لم تُكتب بعد.
مجلة ظلال الفكرة 🤍 | جميع الحقوق محفوظة

إرسال تعليق

0 تعليقات