مجلة ظلال الفكرة

مجلة ظلال الفكرة

حوار صحفي مع الكاتبة سعيدة بركاتي

مجلة ظلال الفكرة | حوارات صحفية 🎙️

حوار خاص مع الكاتبة سعيدة بركاتي

إعداد وتقديم: مجلة ظلال الفكرة

مقدمة الحوار

في هذا الحوار، تفتح مجلة ظلال الفكرة مساحة للكاتبة سعيدة بركاتي للحديث عن تجربتها الإبداعية، ومصادرها الفكرية، وكواليس أعمالها، ورؤيتها للأدب والثقافة، بعيدًا عن التعريفات المختصرة التي تختزل الكاتب في قائمة من الأعمال والتواريخ.

س: في البداية، كيف تعرفين نفسكِ للقارئ بعيدًا عن التعريفات الرسمية والسيرة الذاتية التقليدية؟
أنا لست ناقدة تخرجت من مدرجات الجامعة، أنا قارئة تاهت في النص فلم تخرج منه. أنا ابنة الكتاب المفتوح على ركبتي في مقاعد الثانوي، تلك التي كانت تحفظ المتنبي لتشعر أنها أقوى، وتقرأ ابن زيدون لتعرف أن الحب يمكن أن يكون أندلساً كاملاً. أنا امرأة آمنت أن الثقافة ليست شهادة نعلقها، بل هي جرح جميل نحمله معنا.
س: متى بدأت علاقتك بالكتابة؟ وهل تتذكرين اللحظة التي شعرتِ فيها بأن الكتابة أصبحت أكثر من مجرد هواية؟
بدأت في الثانوي، حين كان الأدب ملاذي. كنت أكتب على هوامش دفاتري ما لا أجرؤ على قوله. اللحظة الفارقة كانت حين كتبت أول قراءة انطباعية لنص قرأته على فيسبوك منذ عشر سنوات، ووجدت كاتب النص يرد عليّ: «كأنك قرأتِ ما لم أكتبه». حينها فهمت أن النقد ليس هواية، بل مسؤولية التقاط المعنى المختبئ.
س: هل كان الكاتب الذي أنت عليه اليوم حاضرًا في طفولتك ومراهقتك، أم أنه تشكّل تدريجيًا مع التجربة؟
كان بذرة. في المراهقة كنت أحب البلاغة والقوة عند المتنبي والرصافي، والرقة والوجع عند درويش ونزار، والحكمة عند طه حسين وتوفيق الحكيم وميخائيل نعيمة وغموض المسعدي في «السد». كنت أجمع كل هؤلاء في داخلي دون أن أدري. التجربة والقراءة المتواصلة على مدى عشر سنوات هي التي سقت تلك البذرة.
س: لكل كاتب عالمه الخاص الذي يتشكل من أفكاره وقراءاته وتجربته في الحياة؛ كيف تصفين العالم الفكري الذي تنتمين إليه؟
عالمي الفكري هو عالم التقاطعات. لا أؤمن بالتخصص الضيق الذي يعزل النص عن اللوحة، والقصيدة عن الحياة. لذلك تنوعت قراءاتي بين النصوص والمتون واللوحات الفنية التشكيلية. أقرأ القصة كما أقرأ وجهاً، وأقرأ اللوحة كما أقرأ قصيدة. أنتمي لمدرسة الإحساس، المدرسة التي ترى أن وراء كل تقنية قلباً ينبض.
س: ما القضايا الإنسانية أو الفكرية التي تجدين نفسك تعودين إليها باستمرار في كتاباتك؟
أعود دائماً إلى ثلاث قضايا: الاغتراب، الهوية، والمرأة التي تكتب في مجتمع لا يزال يرى في قلمها جرأة. يهمني الإنسان حين يكون ممزقاً بين ما يريده وما يُفرض عليه، بين حلمه بذاته وما يريده منه الآخرون. وهذا ما وجدته كثيراً في كتابات المسعدي ودرويش.
س: ما هي أبرز أعمالك؟
لا أملك كتباً مطبوعة بعد، وأعتبر هذا صدقاً لا نقصاً. أعمالي هي قراءاتي النقدية المنشورة على صفحات التواصل الاجتماعي خلال عشر سنوات، مئات القراءات لنصوص قصصية قصيرة جداً ولوحات تشكيلية. كل قراءة هي عمل مستقل بنيته لبنة لبنة، بتكوين عصامي خالص. وأفخر بها أكثر من أي لقب.
س: كيف تصفين العلاقة التي تريدين بناءها مع القارئ؟
لا أريد قارئاً يصفق لي، أريد قارئاً يجادلني. أريد علاقة تشبه جلسة شاي مع صديق مثقف، أقول له: انظر من هذه الزاوية، فيقول لي: وماذا لو نظرنا من تلك؟ النقد عندي ليس محاكمة للنص، بل حوار معه ومع صاحبه ومع القارئ.
س: ما رأيك في انتشار الكتابة القصيرة والمحتوى الأدبي السريع؟
هو سلاح ذو حدين. هو جميل لأنه قرّب الأدب من الناس، وجعل الشاب يقرأ ومضة في الحافلة. لكن الخطر أن يتحول الأدب إلى «وجبة سريعة» بلا قيمة غذائية. القصة القصيرة جداً التي أحبها ليست اختصاراً، بل تكثيفاً. وهناك فرق كبير بين من يختصر لأنه لا يملك ما يقوله، ومن يكثف لأنه يملك الكثير ولا يريد أن يزعجك إلا بالخلاصة.
س: كيف تصفين المشهد الأدبي والثقافي العربي اليوم من وجهة نظرك؟
مشهد غزير ومرتبك في نفس الوقت. هناك طاقات هائلة تظهر على السوشيال ميديا، تكتب بصدق خارج أضواء النشر الرسمي. لكن هناك أيضاً ضجيج كبير، وكثير من المجاملات التي تقتل النقد. نحتاج إلى ناقد عصامي وشجاع، لا يخاف أن يقول: هذا النص جميل وهذا النص يحتاج إلى عمل، دون أن يجرح الإنسان.
س: هل غيّرت الكتابة شيئًا في شخصيتك؟
نعم، جعلتني أقل حكماً وأكثر فهماً. حين تقرأ مئات القصص، تفهم أن لكل إنسان روايته التي تبرر ضعفه. الكتابة النقدية علمتني التواضع، لأنني كلما قرأت أكثر، اكتشفت أنني لا أعرف شيئاً، وأن جملة واحدة للمتنبي يمكن أن تدرس عشر سنوات ولا تنتهي.
س: ما المجال الذي تريدين أن تأخذي كتابتك إليه مستقبلًا؟
أحلم بجمع قراءاتي في كتاب نقدي يوثق تجربة القصة القصيرة جداً في تونس والمغرب العربي من خلال عدسة ناقدة عصامية، بعيداً عن الأكاديميا المتعالية. وأحلم أيضاً بمشروع يربط بين النص الأدبي واللوحة التشكيلية، لأنني أؤمن أنهما وجهان لوجع واحد.
س: لو كان عليكِ أن تتركي للقارئ فكرة واحدة فقط من تجربتك في الكتابة والحياة، فكرة تستحق أن تبقى معه بعد انتهاء هذا الحوار، فماذا ستكون؟
أن الشهادة لا تصنع كاتباً ولا ناقداً، الشغف يصنعه. أنا دليل حي على ذلك. بدأت من قصيدة في كتاب مدرسي، ووصلت إلى أن يرسل لي كتاب من المشرق والمغرب نصوصهم لقراءتها. اقرأوا بحب، واكتبوا بصدق، ولا تنتظروا إذناً من أحد لتمارسوا حقكم في التفكير والجمال.
مجلة ظلال الفكرة 🤍 | جميع الحقوق محفوظة

إرسال تعليق

1 تعليقات

  1. شكراً مجلة ظلال الفكرة على هذا الحوار الذي استمتعت به و أكثر

    ردحذف