مجلة ظلال الفكرة

مجلة ظلال الفكرة

حوار صحفي مع الكاتبة التونسية شهد المعافي

مجلة ظلال الفكرة | حوارات صحفية 🎙️

حوار خاص مع الكاتبة شهد المعافي

إعداد وتقديم: مجلة ظلال الفكرة

مقدمة الحوار

في هذا الحوار، تفتح مجلة ظلال الفكرة مساحة للكاتبة شهد المعافي للحديث عن تجربتها الإبداعية، ومصادرها الفكرية، وكواليس أعماله، ورؤيتها للأدب والثقافة، بعيدًا عن التعريفات المختصرة التي تختزل الكاتب في قائمة من الأعمال والتواريخ.

س: في البداية، كيف تعرفين نفسك للقارئ بعيدًا عن التعريفات الرسمية والسيرة الذاتية التقليدية؟
بعيدًا عن التعريفات الكلاسيكية؛ اسمي ليس مجرد حروف، وعمري ليس عددًا من السنوات، وموطني ليس نقطةً على خريطة.

أنا ابنة الكتب التي تركت أثرًا في روحي، وابنة الكلمات التي لم أستطع نسيانها، وابنة الأحلام التي ما زالت تجد طريقها إلى قلبي رغم كل شيء.

لم أكن يومًا تلك الفتاة التي تسعى إلى أن تكون محور الحديث؛ كنت أميل أكثر إلى المراقبة والتأمل، وأجد نفسي في التفاصيل الصغيرة التي قد يتجاوزها الآخرون، وفي الأسئلة التي لا تنتهي، وفي المسافة الفاصلة بين الصمت والكلام.

أحب الصدق والعمق، والحوارات التي تكشف الأرواح لا الأسماء، وأؤمن أن المشاعر ليست ضعفًا، وأن الإنسان أكبر بكثير مما يظهره للآخرين. لذلك ربما كانت الكتب والكتابة أقرب الأماكن التي استطعت فيها أن أرى أجزاءً من نفسي.

أما حقيقتي، فلا أظن أنها تختصرها بطاقة هوية أو سيرة ذاتية؛ ترويها الصفحات التي قرأتها، والذكريات التي احتفظت بها، والأحلام التي ما زلت أؤمن بها. هذه أنا... حكاية لم تكتمل بعد، وما زالت تكتب فصلها الأجمل.
س: متى بدأت علاقتك بالكتابة؟ وهل تتذكرين اللحظة التي شعرتِ فيها بأن الكتابة أصبحت أكثر من مجرد هواية؟
بدأت علاقتي بالكتابة منذ السنة السادسة ابتدائي، عندما كنت في العاشرة. في البداية لم أكن أكتب لأنني كنت أرى نفسي كاتبة، بل كنت أكتب بعفوية، أكتب لأنني أشعر أن الحبر يناديني لأفرغ ما في داخلي وكأنني أبحث عن مكان أضع فيه الأشياء التي لا أعرف كيف أقولها.

ثم بدأت علاقتي بالكتابة تتغير تدريجيًا. أصبحت أكتشف من خلالها أفكاري ومشاعري، وأتأمل الإنسان والحياة والتفاصيل التي قد تبدو بسيطة لكنها تحمل الكثير.

لم تكن هناك لحظة واحدة أعلنت فيها أن الكتابة أصبحت جزءًا مني؛ أظن أنها تسللت إلى حياتي بهدوء، حتى أصبحت شيئًا أعود إليه كلما أردت أن أفهم نفسي أو العالم من حولي.

وربما لهذا لا أقول إنني قررت أن أصبح كاتبة، بل أشعر أن الكتابة هي التي أخذتني إليها، خطوة بعد خطوة.
س: هل كان الكاتب الذي أنت عليه اليوم حاضرًا في طفولتك ومراهقتك، أم أنه تشكّل تدريجيًا مع التجربة؟
أعتقد أن البذرة كانت موجودة منذ الطفولة، لكن الكاتبة التي أنا عليها اليوم تشكّلت تدريجيًا. الطفولة منحتني الخيال والدهشة، والمراهقة منحتني الأسئلة، والقراءة وسّعت عالمي، أما الكتابة فكانت المساحة التي التقت فيها كل هذه الأشياء.

فالكاتب، في رأيي، لا يولد مكتملًا؛ إنه يتشكل مع كل ما يقرأه ويعيشه ويشعر به، وحتى مع الأخطاء التي يرتكبها في بداياته.

وما زلت إلى اليوم أتعلم، ولذلك لا أريد أن أتعامل مع تجربتي وكأنها وصلت إلى شكلها النهائي؛ فما أكتبه الآن ليس إلا فصلًا من كاتبة ما زالت تتشكل.
س: لكل كاتب عالمه الخاص الذي يتشكل من أفكاره وقراءاته وتجربته في الحياة؛ كيف تصفين العالم الفكري الذي تنتمين إليه؟
أجد عالمي الفكري قائمًا على الفضول والتأمل. أحب أن أسأل: لماذا؟ وماذا يوجد خلف هذا الموقف أو الشعور أو الصمت؟

القراءة أساسية في هذا العالم؛ فالكتاب بالنسبة إليّ ليس مجرد صفحات، وإنما تجربة إنسان آخر أستطيع أن أطل منها على عالم مختلف. وكلما قرأت أكثر، شعرت أن العالم أكبر مما كنت أظن، وأن الحقيقة ليست دائمًا بالبساطة التي تبدو عليها.

أما كتابتي، فأحاول أن أجعلها مساحة يلتقي فيها الخيال بالتأمل والحس الإنساني، وأن أبحث عن الجمال، لكن دون أن أفصل الجمال عن المعنى.
س: ما القضايا الإنسانية أو الفكرية التي تجدين نفسك تعودين إليها باستمرار في كتاباتك؟
أعود كثيرًا إلى الإنسان في لحظاته الداخلية: الخوف، والوحدة، والحب، والفقد، والأمل، والبحث عن الذات.

تشغلني أيضًا الأشياء التي لا نقولها، لأنني أعتقد أن الصمت أحيانًا يحمل حكاية كاملة. كما أحب التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها تكشف شيئًا عميقًا عن الإنسان.

لا أريد أن أكتب عن القضايا الإنسانية باعتبارها عناوين كبيرة فقط، بل أريد أن أقترب منها من خلال الإنسان نفسه؛ من خلال ارتباكه، وضعفه، أحلامه، ومحاولاته المستمرة لأن يفهم نفسه والعالم.
س: ما هي أبرز أعمالك؟
شاركت في عدد من الكتب الجماعية، منها:
- «حين احترق الملاذ»
- «عظيمات»
- كتاب «عاداتنا حكاية وطن»
- «فصول»
وهي أعمال ما تزال في مرحلة النشر.

كما كانت لي مشاركة في مجلة «ظلال الفكرة»، وأعتز كذلك بتجربتي في تحدي القراءة العربي، التي لم تكن مجرد مشاركة في مسابقة بالنسبة إليّ، بل كانت تجربة عززت علاقتي بالقراءة والأدب ودفعتني إلى النظر إلى الكتاب بطريقة أعمق.

وأشارك حاليًا في البطولة الوطنية للمطالعة في تونس. إلى جانب ذلك، لدي نصوص وأعمال أدبية أخرى لم ترَ النور بعد، وأتمنى أن تجد يومًا طريقها إلى القراء.
س: كيف تصفين العلاقة التي تريدين بناءها مع القارئ؟
لا أريد علاقة يكون فيها الكاتب هو من يتحدث والقارئ هو من يستمع فقط. أريد أن أترك للقارئ مساحة داخل النص.

قد أكتب نصًا عن شعور معين، لكنني لا أريد أن أفرض عليه كيف يشعر تجاهه؛ ربما يرى فيه شيئًا مختلفًا تمامًا عما رأيته أنا، وهذا بالنسبة إليّ ليس اختلافًا سلبيًا، بل جزء من جمال الأدب.

أتمنى أن يجد القارئ في كتابتي شيئًا يخصه هو؛ كلمة تلامسه، أو سؤالًا يرافقه، أو شعورًا كان عاجزًا عن تسميته.
س: ما رأيك في انتشار الكتابة القصيرة والمحتوى الأدبي السريع؟
أعتقد أن الكتابة القصيرة تستطيع أن تكون عميقة، فليست قيمة النص في طوله. أحيانًا تستطيع جملة واحدة أن تفتح في داخل الإنسان أسئلة لا تفتحها صفحات كاملة.

لكنني أرى أن السرعة تصبح مشكلة عندما تجعلنا نستهلك الكلمات دون أن نمنحها فرصة لأن تترك أثرًا فينا. الأدب، في رأيي، يحتاج إلى شيء من البطء؛ إلى لحظة نتوقف فيها عن القراءة السريعة ونسمح للكلمات بأن تصل إلينا.

لذلك لا أرفض الكتابة القصيرة، ولا أقدّس الكتابة الطويلة؛ ما يهمني هو أن تكون هناك روح وراء الكلمات.
س: كيف تصفين المشهد الأدبي والثقافي العربي اليوم من وجهة نظرك؟
أراه مشهدًا متنوعًا ومتغيرًا، وخصوصًا مع ظهور منصات جديدة سمحت لأصوات شابة كثيرة بأن تصل إلى القراء.

هذا التنوع يمنح الأدب العربي مساحات جديدة، لكنه في الوقت نفسه يجعل مسؤولية الكاتب أكبر؛ لأن كثرة المحتوى لا تعني بالضرورة كثرة الأدب.

وأعتقد أن التحدي الحقيقي اليوم هو أن نحافظ على العلاقة بين الأدب والعمق، وأن نمنح النص وقتًا كافيًا لينضج، بدل أن يصبح الهدف مجرد الحضور السريع.

وأنا سعيدة بأن أرى جيلًا من الشباب يقرأ ويكتب ويحاول أن يجد صوته، لأن الأدب لا يتوقف عند جيل معين.
س: هل غيّرت الكتابة شيئًا في شخصيتك؟
غيّرتني الكتابة كثيرًا. جعلتني أكثر انتباهًا للتفاصيل، وأكثر ميلًا إلى الاستماع والتأمل قبل الحكم.

علمتني أيضًا أن الإنسان لا يُختصر فيما يقوله؛ فهناك دائمًا أشياء كثيرة تختبئ خلف الصمت والتصرفات والكلمات العابرة.

وأصبحت أتعامل مع مشاعري وأسئلتي بطريقة مختلفة؛ بدل أن أهرب منها، أحاول أن أفهمها. وربما لهذا أقول إن الكتابة لم تغيّر فقط ما أكتبه، بل غيّرت الطريقة التي أرى بها ما حولي.
س: ما المجال الذي تريدين أن تأخذي كتابتك إليه مستقبلًا؟
أريد أن أواصل التجربة دون أن أضع نفسي مبكرًا داخل حدود نوع أدبي واحد. أحب الخاطرة والشعر والقصة، وأطمح إلى تطوير تجربتي في هذه الأجناس، كما أتمنى مستقبلًا أن أخوض تجربة الكتابة الطويلة، وربما الرواية.

لكن طموحي الأكبر ليس أن أكتب في نوع معين، بل أن أصل إلى صوت أدبي خاص بي؛ صوت لا يشبهني فقط في موضوعاته، بل في طريقته في النظر إلى الأشياء.

وأريد أن أواصل التعلم والقراءة، لأنني أؤمن أن الكاتب الذي يتوقف عن التعلم يبدأ بالتكرار.
س: لو كان عليك أن تتركي للقارئ فكرة واحدة فقط من تجربتك في الكتابة والحياة، فكرة تستحق أن تبقى معه بعد انتهاء هذا الحوار، فماذا ستكون؟
ربما أقول له: لا تتعجل الوصول إلى نفسك.

نحن لا نعرف أنفسنا دفعة واحدة؛ نكتشفها عبر الكتب التي نقرأها، والأشخاص الذين نلتقيهم، والتجارب التي نعيشها، والأسئلة التي تظل معنا حتى عندما لا نجد لها إجابات.

وأريد أن أقول أيضًا إن الكلمة لا تحتاج دائمًا إلى أن تغيّر العالم كي تكون ذات معنى. ربما تكفيها حياة إنسان واحد؛ أن تمنحه شعورًا بأنه مفهوم، أو تمنحه أملًا، أو تفتح له نافذة في جدار الصمت.

لهذا أكتب.
لأنني أؤمن أن بعض الكلمات لا تنتهي عندما تنتهي الصفحة، بل تبدأ حياتها الحقيقية في مكان آخر... داخل إنسان قرأها.
مجلة ظلال الفكرة 🤍 | جميع الحقوق محفوظة

إرسال تعليق

2 تعليقات